أعلى
عنوان المادة الشيخ تحميلات الحجم إستماع/تحميل
خطبة جمعة حول الشرك الشيخ محمد زحل361651.90 MB  
القيامةالشيخ محمد زحل186232.84 MB  
غض البصر الشيخ محمد زحل1523327.40 MB  
من نوااقض الإسلام.. الشيخ محمد زحل128237.10 MB  
الظلمالشيخ محمد زحل254232.10 MB  
 
 

أعراف جاهلية أبطلها الإسلام (1)

                                              

                                                                                             الشيخ محمد زحل

 

-  التبني

-  وإلحاق الزوجة بالأم في التحريم المؤبد في الظهار

-  واعتبار كل ألمعي حافظ ذا قلبين.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَىاللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَأَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمبِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَاللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَاأَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5) ﴾.الآيات «1-5» من سورة الأحزاب.

سبب النزول: قال الإمام القرطبي:«روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود قريضة والنضير وبني قينقاع وقد تابعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه وكان يسمع منهم ... فنزلت».

- وذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم «أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور الشلمي وقد نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد أحد فأعطاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمان على أن يكلموه فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب أرفض ذكر آلهتنا واللات والعزة ومناة ، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك،  فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة. فنزلت الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَعَلِيمًا حَكِيمًا ﴾».

- وفي رواية الواحدي والقشري أن جميل بن معمر الفهري كان حافظا لكل ما يسمع فقالوا: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان فسمي ذا القلبين واستفزه الشيطان فقال: «إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد» فلما هزم المشركون يوم بدر وفيهم جميل بن معمر رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال أبو سفيان ما حال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أن لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. فأنزل الله تعالى﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾.

- وقال ابن عباس سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمد له قلبان لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة، ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل بقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ذكره القرطبي.

- وذكر السيوطي في الدر المنثور بسنده عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تبنى بزيد بن حارثة وأعتقه قبل الوحي فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون «تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها» فنزل قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت الآية الكريمة ﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُعِندَ اللَّهِ ﴾.

مفردات النص:

«اتق الله»: أمر النبي بذلك يعني المداومة على أسباب الطاعة والترقي في منازلها درجة بعد درجة. ولفظ التقوى من لكلمات الجامعة في الاصطلاح الإسلامي وتعني إتيان كل خير والإعراض عن كل شر وأصله «الوقاية بمعنى الحفظ والصيانة، وأفاد في اللسان» أن التقوى والاتقاء التقاة والتقية كلها بمعنى. ومن الكلمات الجوامع في بيان معناها ما نقله الحافظ بن كثير عن طلق بن حبيب قال: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله».

«الكافرين»: أصل استعمال مادة «الكفر» الستر والتغطية، وكل من ستر شيئا وعمى عنه وتعمد إخفاءه فقد كفره، ولما تعمد الجاحد لنعم الله وألطافه وهباته وأفضاله إخفاء كل ذلك سمي كافرا، ويسمى الزارع كافرا لإخفائه البذور في باطن الأرض والبحر كافرا لخفاء ما فيه من عجائب المخلوقات، ومن ثم ألغز الحريري في مقاماته: « ما تقول في ميتة الكافر؟ قلنا: حل للمقيم والمسافر» يعني  ميتة البحر التي ورد في حكمها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ومن لطائف التعبير في الكتاب العزيز ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾ وقد عنى بالكفار الزراع وذلك صحيح معنى  ولغة أما صحته لغة فقد عرفته، وأما صحته معنى فإن الذين تصيبهم الحوائج في زروعهمفغالبا ما يكونون من النوع الجاحد لفضل الله ونعمه بوجه من الوجوه. ويسمى الليل أيضا كافرا لكونه يستر بظلامه أشياء محسوسات ومعفويات، ومن ثم قالت العرب في أمثالها: «الليل أخفى للويل» وقالوا: «أمر تدبر بليل».

والكفر بحسب الاعتقاد أقسام أربعة:

1- كفر تعطيل وهو إنكار الألوهية بالمرة ونسبة الوجود إلى الطبيعة وهو قول الدهرية الأوائل والماديين الجدد، وقد عبر عنه الدهرية بقولهم «ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع» وعبر عنه الملاحدة المعاصرون بقولهم: «لا إله والحياة مادة والدين أفيون الشعوب» وسفه القرآن كلا من الفريقين: فقال: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَايُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ  «24 - الجاثية». و يسمى هذا النوع أيضا كفر إنكار وهو أن يكفر بقلبه ولسانه وجوارحه، فلا القلب اعتقد، ولا اللسان أقر، ولا الجوارح عملت وأطاعت.

2- كفر جحود وهو الاعتقاد بالقلب ورفض الإقرار باللسان وهو اعتقاد إبليس وعمل اليهود مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ  «89 - البقرة».

3- وكفر عناد وهو الاعتقاد بالقلب مع الإقرار باللسان وعدم الدينونة بهحسدا وبغيا ككفر أبي جهل الذي كان يصرح بصدق محمد فيما جاءبه وإنما منعه من أتباعه منافسة بني عبد شمس لبني عبد مناف  الذين منهم رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه.

4- وكفر نفاق وهو الإقرار باللسان والعمل بالجوارح في ظاهر الأمر والكفر بالقلب وهو دين المنافين الذين يتزعمهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو شر المنازل وأسوأها عند الله ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِوَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ «145 - النساء».

 

«والمنافقين»: النفاق: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وأصله من النفق وهو السرب في باطن الأرض، والنافقاء: حجر انصب واليربوع ويقال: نافق اليربوع: إذا دخل من النافقاء وخرج من القاصعاءفأنت تراه حين الدخول فإذا طلبته حيث رأيته فقدته، لأنه أوهمك أنه باق وهو خارج من حيث لا ترى، وذلك هو عمل المنافق يدخل في الإسلام بلسانه وبظاهر عمله، ويخرج منه بنفي اعتقاده في قلبه. والنفاق بمعناه الاصطلاحي وهو إظهار الإيمان وإضمار الكفر، اسم إسلامي لم تعرفه العرب بهذا المعنى المخصوص به، وإن كان استعماله بالمعنى المقارب والنفاق ينقسم إلى قسمين اعتقادي وعملي، فمن أضمرهما اعتقادا، حاقت به اللعنة، وخرج من الملة، وخلد في النار. وأما من عمل عمل الكافر والمنافق دون أن يعتقد الكفر أو النفاق فإنه يوصف بهما، فيقال «كافر» و «منافق» ولا تطبق عليه أحكامهما ويعتبر من عصاة الموحدين أهل القبلة.

«وكيلا»: الحافظ والضامن والكفيل والمتكفل بأرزاق العباد،والذي يتوكل عليه ويركن إليه، والذي يلجأ إليه في الملمات ويفوض إليه في الخطوب المدلهمات، كل ذلك من معاني الوكيل، وفي محكم الكتاب ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾«58 - الفرقان» ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ «3 - الطلاق».

«تظهرون» كان العرب يستعملون الظهار في جاهليتهم ويقصدون به إلحاق نسائهم بأمهاتهم في التحريم المؤبد فإذا قال لزوجته «لا أنت علي كظهر أمي» حرمت عليه تحريما مؤبدا، فأوقعهم هذا العرف في حرج شديد، وبلاء عظيم، فلما جاء الله بالإسلام، عدل هذا العرف، واعتبر الظهار منكرا من القول وزورا، وجعل له كفارة، ترفع حكمه، وتدرأ إثمه، وأما أصل الكلمة الاشتقاقي فمأخوذ من الظهر، لأنه موضع الركوب فكأنه قال: ركوبك للنكاح علي حرام كركوب أمي للنكاح فأقام الظهر مقام الركوب، وهو من لطيف الكنايات.

«أدعياءكم» الدعي الذي تدعوه إبنا لك وليس من صلبك، والدعي المنسوب إلى غير أبيه (ص5)، وفرق ابن شميل بينهما بأن الدعوة بالكسر في النسب والدعوة بالفتح في الطعام، وما أحسن قول بعضهم:

دعي القـوم ينـصـر مـدعيه           ليلحقه بذي النسب الصميم

أبي  الإسلام  لا  أب  لي  سواه            إذا افتخروا بقيس  أو تميـم

«أقسط»: مادة القسط والقسطاس تدور حول معاني العدل والوزن الحق غير أن الرباعي منه «أقسط» يعني عدل، واسم الفاعل «مقسط» عادل، والثلاثي منه قسط يعني: جار وظلم، ومن الأول ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  ومن الثاني: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ «15 - الجن »والقسط: العدل. ومنه قول الحق سبحانه ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ «9 - الرحمان».

«ومواليكم» وللمولى في العربية معان متعددة تقول للناصر مولى وللحليف مولى وللصديق مولى، وللسيد مولى، وللعبد مولى، وفي التنزيل ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَىالَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ «11 - محمد » وفي الحديث «مولى القوم منهم وابن أخت القوم منهم» أخرجه أبو داود.

«غفورا» صفة مبالغة وتعني أنه سبحانه عظيم العفو والمغفرة للمذنبين من عباده. قال جل شأنه: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ «82 - طه».

«رحيما» وهي أيضا صيغة مبالغة وتعني أنه سبحانه يشمل برحمته كل مخلوقاته وإن كانوا في الاستفادة منها متفاوتين ومن عظيم رحمته رفعه للحرج عن المخطئين.

البيان العام لمعنى النص:

التأمل المنطقي في هذا النص القرآني يخلص بنا إلى أن هناك قضية لها مقدمة وخاتمة، أما المقدمة فجاءت مصدرة بخطاب صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأسلوب التكريم والتشريف فهو كما في كثير من المواضيع الأخرى في هذا التنزيل لم يناد باسمه المجرد كما نودي موسى وعيسى ونوح وإنما خوطب بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  وهو أدب القرآن مع مقام صاحب الرسالة الخاتمة في  غالب الأمر ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاأَحَلَّ اللَّهُ لَكَ  ولم يخاطب باسمه المجرد إلا في مقام الإخبار والإعلام بأنه رسول الله ﴿  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ   ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّرَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ  وإذا خرج الأسلوب عن مقام الإخبار عاد شأنه مع صاحب الرسالة كما كان في التنويه والتعظيم، تأمل في ذلك ما يلي ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَاالْقُرْآنَ مَهْجُورًا   ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ   ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ  ﴿ إِنَّ اللَّهَوَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ  ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمَااتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ  وبعد هذا الخطاب  المؤدب تضمنت المقدمة نهيا واحدا يعين على تنفيذه ثلاثة أوامر أما النهي فعن طاعة الكافرين والمنافقين وأما الأوامر في تقوى الله، واتباع ما أوحي إليه، ولزوم التوكل على الله والتفويض إليه. أما الأمر بالتقوى فواضح أن المقصود به المزيد من الثبات على هدى الله والتزود من العبادة بالقدر الذي يكفي لتحمل تبعات الرسالة ومواجهة عقبات الدعوة أو كما يقول شهيد الدعوة الإسلامية ومفخرة علماء المسلمين. في العصر الحاضر الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه: «ومن ثم كان التوجيه الأول في السورة التي تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين بتشريعات وأوضاع جديدة هو التوجيه إلى تقوى الله وكان القول موجها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القائم على تلك التشريعات والتنظيمات ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِاللَّهَ ﴾ فتقوى الله والشعور برقابته واستشعار جلاله هي القاعدة الأولى وهي الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ وهي التي يناط بها كل تكليف في الإسلام وكل توجيه».

وإذا قلت: فهذا الأمر بالتقوى قد عرفنا حكمته، فما فائدة نهي الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن طاعة الكافرين والمنافقين وهو أعلم الناس بهم وبالتواء نفوسهم وضلال قلوبهم؟؟ فالجواب أنه قد مر بك في استعراض أسباب النزول ما يهدي قلبك إلى ذلك، فقد كان حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إيمان الناس عظيما وقد كان يحيط به في المدينة كبراء أهل الكتاب من  اليهود، وزعماء الأوس والخزرج، وقد لبس بعضهم ثوب الإسلام نفاقا، بالإضافة إلى  من يفد عليه من مشركي الجزيرة قريش وغيرها، وكان يضطر إلى إلانة القول لهم طمعا في إسلامهم أو تأليفا لقلوب من أظهر الإسلام منهم، وقد يقترح بعضهم ما لا مطمع فيه مما يتنافى وأصل الإسلام كما قال أبو سفيان وعكرمة وأبو الأعور السلمي: « ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزة ومناة، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك».

وما فهمناه هنا وحاولنا إفهامك إياه، أيها القارئ الكريم – هو الذي عبر عنه شهيد الدعوة في ظلاله إذ قال: « وتقديم هذا النهي على الأمر باتباع وحي الله يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين إطلاقا (ص 7)، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة، ليبقى منهجهم خالصا لله غير مشوب. بتوجيه من سواه، ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة، كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف، فإن الله هو العليم الحكيم، وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  وما عند البشر إلا قشور وإلا قليل».

وإذ فرغنا من تعليل التوجيه الثاني وهو النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، وبيان الداعي إليه وما تضمنه من حكمة، حال نزول (ص 8) الكافرين والمنافقين يعملون لإضلال المسلمين وصدهم عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وما بلاء المسلمين في العصر الحاضر، إلا في طاعة اليهود والنصارى واتباع أهوائهم وتشريعاتهم ومناهجهم وتقليد أعرافهم وهيئاتهم وسمتهم والافتتان بفنونهم وأنماط حياتهم، وإذا أدركنا ذلك فكيف الخلاص؟ وأين المفر؟ إنه في التمسك بأهداب التوجيه الثالث في مطلع هذه السورة: ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  وهليعصم من فتنة المضلين، وإغواء الكافرين، وتحريف الغالين، إلا اتباع ما أوحى بهالله إلى رسوله، فما عنده شرع، وما عند الناس أهواء وتخرصات وظنون، وهل يقدم ما عند الناس على ما عند الله إلا المجانين، ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِفَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ  «18 - الجاثية ». ولذلك قال العلامة القرطبي: «﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  يعني القرآن، وفيه  زجر عناتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص والخطاب له ولأمته».

وإذا كان المشركون والمنافقون قد أكثروا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، باقتراحاتهم، وعرض آرائهم ومساوماتهم لتعديل بعض ما جاء به والتخلي عن البعض الآخر مما تسبب في نهي الله إياه عن طاعتهم والميل إلى أهوائهم  فإن التوجيه الرابع هو العلاج الحاسم، والقول الفصل في القضية ويتلخص معناه في الإعراض المطلق عن الكافرين المعاندين، ومرضى القلوب  من النافقين المذبذبين، ونبذ آرائهم وتخرصاتهم جملة وتفصيلا، وعدم الاكتراث بالأمرين معا، مكرهم ودسهم أو مؤازرتهم وتأييدهم، واللجوء إلى الله رب العالمين ومطلق التفويض إليه فإن لديه الحكمة البالغة، والعلم النافذ يصرف الأمر وفق إرادته ومشيئته ﴿ وَتَوَكَّلْعَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً  وحين يتشبع القلب والفكر بهذا التوجيه ويمتلئ الكيان البشري منه اقتناعا وطمأنينة وبرد يقين، فإنه لا يعبأ – أبدا – بكيد الكائدين وعدوان الطاغين، وإنما يواجه كل ذلك في صمود، ولسان حاله ومقاله ويردد ما قصه الله تعالى عن الرعيل الأول حين ينتفش الباطل مبرزا قواه يبتغي حربهم ويلوح بالقضاء عليهم ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْفَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  «173 - آل عمران ».

والتوجيهات الأربع السابقة هي زاد الطريق، والطاقات اللازمة لكل سالك سبيل المؤمنين في الدعوة إلى الله، والنهوض بأمانه البلاغ يقول شهيد الإسلام في نفتاتروحه، وبنات فكره تحت ظلال القرآن: «وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله، واتباعوحيه، والتوكل عليه مع مخالفة الكافرين والمنافقين هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص من الله وإلى الله، وعلى الله وكفى بالله وكيلا».

وقد شكلت القواعد الأربع المتحدث عنها آنفا مقدمة هامة في مطلع هذه السورة كما مر بك قريبا أما لب الموضوع وجوهره في هذا المطلع، فهو ثلاث دعاوى جاهلية أبطلها الإسلام، وهي أعراف جاهلية، كانت ترقى عند البعض وتسمو فوق درجة اليقين، وهي اعتبار كل ألمعي ذكي حافظ ذا قلبين، ولولا ذلك لم يكن في طوقه استيعاب كل ما وعى، واعتبار الزوجة كالأم في تأبيد التحريم حين يظاهر منها، واعتبار الأدعياء المستحقين بالتبني كأولاد الصلب لهم الحرمة والحقوق ذاتها التي للأبناء الشرعيين. وقد نفى القرآن كل هذه الدعاوى واعتبر القول بها لغوا  لا يعبأ به، وادعاء لا سند له ولا دليل عليه يقول رب العزة سبحانه: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُلِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَاجَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيالسَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)  «4-5 الأحزاب».

قال الحافظ بن كثير: «موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا معروفا حسيا وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي، أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا لرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له» وقال ابن كثير أيضا في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ:« يعني تبنيكم لهم لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من  صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان» وهذا رأي ابن كثير يرى أن نفي كون إنسان بقلبين إنما سبق تمثيلا  ليؤسس عليه نفي إلحاق الزوجة بالأم في التحريم، وإبطال التبني على العرف الجاهلي، وقد مر بك في أسباب النزول أن القضية الأولى وهي اعتبار الألمعي الواعي ذا قلبين عرف جاهلي ثالث يريد القرآن إبطاله، وليس مسوقا لمجرد التمثيل كما يحلو للحافظ ابن كثير، وقد كان من بين الموسومين بذلك جميل بن معمر الفهري، وقصته مع أبي سفيان بعد غزوة بدر معروفة مشهورة وفيه قول الشاعر:

وكيف ثوائي المدينة بعدما          قضى وطرا منها جميل ابن معمر

والذي ذهبنا إليه في هذه المسألة هو اختيار العلامة القرطبي في تفسيره، فقد قال: «ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت».

وقد ذهب العلماء في تعليل نفي هذه الدعاوي مذاهب شتى، وغاص العلامة الزمخشري فحل المفسرين في اللغة على الحكمة في ذلك فأبرز التناقض الحاصل باعتقاده، واخترنا لك من كلامه هذا المقطع: «والمعنى أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثلما يفعل الآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة، غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا، في حالة واحدة. لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له، لأن الأم مخدومة، مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان، وأن يكونه الرجل الواحد دعيا لرجل، وابنا له، لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيلا. » فلله دره ما أجزل عبارته وأعظم غوره، لكن الأستاذ سيد قطب رحمه الله، ينحو نحوا آخر ليضرب التصور الجاهلي الحديث ويهدم الفلسفات المادية الجدلية، والمناهج الليبرالية الغربية فإنما للإنسان قلب واحد، لا يسع إلا منهج الله أو قانون البشر وفلسفته، يقول رحمه الله: «إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه، ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم،و يقوم به الأحداث والأشياء، وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين، ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع، فهذا الخليط لا يكون إنسانا له قلب، إنما يكون مزقا وأشلاء ليس لها قوام». وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَمِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ نفي لما كان شائعا بين عرب الجاهلية من تحريم الزوجة بالمظاهرة منها وذلك بقول أحدهم لامرأته «أنت علي كظهر أمي» فتحرم عليه تحريما مؤبدا، ويضارها بذلك فتبقى معلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فلما جاء الله بالإسلام بقي هذا العرف الجاهلي ساري المفعول إلى العهد المدني للدعوة حين ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثغلبة فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: يا رسول الله، إن أوسا أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا محرمة عليه، فجادلت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ورددت قولها وأكثرت من الشكوى فأنزل الله كفارة الظهار في أوائل المجادلة، فأبطل التحريم وجعل الظهار طلاقا ينتهي أمده إلى الكفارة، فإذا كفر راجع زوجته: وهي معضلة عسيرة أوقعت الناس في حرج شديد، نسخ الإسلام حكمها وجعل لها فرجا ومخرجا، قال تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَالَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَيُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْتُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنقَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)   «المجادلة 1-2-3-4» فلله الحمد والمنة، على ما له من الفضل والنعمة، يرفع الآصار والأغلال عن خير أمة.

وأما قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  فقد أجمع أهل التفسير على أنه نزل في زيد بن حارثة، وقد روى الأئمة في الصحيح عن ابن عمر رضي الله  عنهما أنه قال: «ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ ادْعُوهُمْلآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ  وإليك قصة زيد بن حارثة بشيء من  التفصيل، سأل الناس أخاه جبلة فقالوا أنت أكبر أم زيد، فقال: زيد أكبر مني وأنا ولدت قبله – وهذا من بديع الأدب – كانت أمنا امرأة من طيء فمات أبونا وبقينا في حجر جدي فجاء عماي فقالا لجدي نحن أحق بابن أخينا منك فقال ما عندنا خير لهما، فأبيا، فقال: خذا جبلة ودعا زيدا فانطلقا بي فجاءت خيل من تهامة فأصابت زيدا، فتراقى به الأمر إلى أن ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فاشتراه فوهبه لعمته خديجة فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبت بنبوغه وخلقه فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة، فأوحشه أبوه حتى كان يدور بالشام وينشد.

بـكيت عـلى زيد ولم أدر مـا فعل      أحي فيرجى أم أتى دونه الأجـل

فوالله مـا أدري وإني لسـائـــل               أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل

فيا ليت شـعري هل لك الدهر أوبة                فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل

تذكر فيه الشمس عند طلـوعــها                وتعرض ذكراه إذا غربها أفـــل

فإن هبت الأرواح هيجن ذكـــره               فيا طول ما حزني عليه وما وجـل

سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا                ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبـل

حـياتي أو تأتي عــلي مـيـتـي                فكل امرئ فإن وإن غره الأمــل

فأخبر أنه بمكة فجاء صحبة أخيه يرغبان في فدائه بالمال فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل المبعث: «خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» فاختار الرق مع رسول الله على حريته وقومه فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك «يا معشر قريش اشهدوا انه ابني يرثني وأرثه، وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا».

منزلة زيد: قال القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز غزا زيد، أعطاه سلاحه، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم يوما – مرجلان فأعطاه أحدهما وأعطى عليا الآخر. وقتل زيد بغزوة مؤتة بأرض الشام سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: الراية لزيد فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل نعي زيد وجعفر بكى وقال: "أخواي ومؤنساي ومحدثاي، ذكره القرطبي في «جامع البيان لأحكام القرآن».

 

 

         مجلة الفرقان العدد 11 / السنة الرابعة / (محرم - صفر) 1408 

 

               نماذج من دور علماء السلف في النوازل المعاصرة

                                     الإمام أحمد بن حنبل

 

هو الإمام أحمد بن حنبل بن هلال أبو عبد الله الشيباني الذهلي، ولد في ربيع الأول سنة أربع و ستين و مائة 164 هـ. جيء به حملا من مرو و ولد في بغداد و توفي أبوه محمد شابا، فوليته أمه. نسبه عربي و هو شيباني في نسبه لأبيه و أمه، و قد عرفت قبيلته بالهمة و الإباء و شدة الشكيمة و الصلابة، و كان منها المثنى بن حارثة القائد الإسلامي المعروف، انتقل جده إلى خراسان و كان واليا على سرخس في العهد الأموي، و ناصر الدعوة العباسية عند ظهورها، و أوذي في هذا السبيل، و كان أبوه قائدا كما ذكره الأصمعي، و ترك له أبوه عقارا ببغداد لا يكاد يقوم بنفقات الأسرة، فنشأ على الصبر و القناعة و الكفاف.

 

آثار النبوغ في نشأته:

ظهرت عليه أمارات النجابة و مخايل الذكاء و الهمة و الرشد و هو صبي في نعومة أظفاره. قال والد زميل له من جيرانهم: أنا أنفق على أولادي و ّأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون و هذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، أنظروا كيف هو؟ و جعل يعجب من أدبه و حسن طريقته.

 

علو همته في طلب العلم:

من الأدلة على ذلك قصة يرويها ولده صالح قال عزم أبي على الخروج إلى مكة و رافق يحيى بن معين، فقال أبي نحج و نمضي إلى صنعاء إلى عبد الرزاق قال فمضينا حتى دخلنا مكة فإذا عبد الرزاق في الطواف، و كان يحيى يعرفه، فطفنا ثم جئنا إلى عبد الرزاق فسلم عليه يحيى و قال هذا أخوك احمد بن حنبل، فقال: حياه الله، إنه ليبلغني عنه كل ما أسر به ثبته الله على ذلك، ثم قام لينصرف، فقال يحيى ألا نأخذ عليه الموعد، فأبى احمد، و قال: لم أغير النية في رحلتي إليه، فأكمل حجه ثم سافر إلى اليمن لأجله، و سمع عنه الكتب و أكثر عنه.

 

المحنة:

أصدر المأمون سنة 218 هـ رسالة إلى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم أمر فيها بجمع القضاة و امتحانهم في عقيدة خلق القرآن، و عزل من لا يقول بذلك منهم و إسقاط شهادة من لا يراها من الشهود، و أرسلت منها صور إلى الأقطار الإسلامية، ثم كتب إليه أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين الذين عارضوا هذه العقيدة ففعل، و أجاب هؤلاء فأعادهم إلى بغداد، و أمر الولي أن يجمع الفقهاء و المشايخ من أهل الحديث في داره ففعل، و أجاب هؤلاء فخلى سبيلهم، ثم أصدر كتابا ثالثا أغلظ فيه القول، و ضيق الأمر، و أمر بالتوسع في امتحان الناس، و امتثل الوالي أمره فأحضر مشاهير العلماء و رؤوسهم و امتحنهم، و كانت إجابات القوم مختلفة و مضطربة، و حرر الوالي محضرا بجميع أقوال الممتحنين، و أرسله إلى المأمون، و ثار المأمون بقراءته، و اشتد غضبه و عرّض بهم و استخف، فأمر بضرب رقبة بشر بن الوليد وبن المهدي إن لم يرجعا عن قولهما، و أمر بالعودة إلى امتحان هؤلاء فإن أصروا فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا و يتولوا حملهم جميعا على السيف إن شاء الله و لا قوة إلا بالله.

و امتثل الوالي أمر الخليفة، و جمعهم ثانية و قرأ عليهم كتاب المأمون، فأقروا جميعا بأن القرآن مخلوق إلا أربعة: أحمد بن حنبل و سجادة و القواريري و محمد بن نوح، و أمر بهم فشدوا في الحديد و اعترف سجادة بخلق القرآن، و أطلق سراحه، و أجاب القواريري بعد يوم، فأطلق سراحه، و انحصر الأمر في اثنين أحمد بن حنبل و محمد بن نوح، فشدهما في الحديد و وجههما إلى المأمون، ثم أرسل البقية من الممتحنين بأمر المأمون و بلغتهم وفاة المأمون و هم بالرقة، فخلى والي بغداد سبيل أكثرهم، و مات محمد بن نوح و هو عائد إلى بغداد، و تركزت رئاسة المعارضة في أحمد بن حنبل فكان زعيمها و علمها و متجه الأنظار فيها كما يقول الدكتور أحمد أمين رحمه الله، و وصل أحمد بن حنبل إلى بغداد و حبس في دار عمارة في بغداد، ثم حول إلى سجن العامة، و مكث في السجن ثمانية و عشرين شهرا، قال حنبل كنا نأتيه، وقرأ علي كتاب الإرجاء و غيره في الحبس، و رأيته يصلي بأهل الحبس و عليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة.

 

محنة أحمد بن حنبل في عهد المعتصم:

و ها هو رحمه الله يحكي قصته و ما جرى له أيام المعتصم بنفسه، وهي قصة البطولة الخالدة و الإيمان الراسخ و الثبات و الصمود على المبدأ، فلنستمع إليه رحمه الله و لنع ما يقول: "فلما كان في الليلة الرابعة وجه – يعني المعتصم – ربيعا الذي يقال له الكبير أبو إسحاق، فأمره بحملي إليه فأدخلت على إسحاق فقال: يا أحمد إنها و الله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب، و أن يلقيك في موضع لا تُرى فيه شمس و لا قمر، فلما بلغنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت و جيء بدابةفحملت عليها و علي الأقياد و ما معي أحد يمسكني، فكدت غير ما مرة أخر على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلت حجرة،  و أدخلت إلى بيت فأقفل الباب علي، و ذلك في جوف الليل و ليس في البيت  سراج فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء و طست موضوع فتوضأت وصليت، فلما كان من الغد أخرجت تكتي من سراويلي، و شددت بهاالأقياد أحملها، و عطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم فقال: أجب/ فأخذ بيدي و أدخلني عليه، و التكة في يدي أحمل بها الأقياد و إذا هو جالس و ابن أبي دؤادحاضر، و قد جمع خلقا كثيرا من أصحابه، فقال لي يعني المعتصم أدنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: إجلس، فجلست و قد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلا ثم قلت: أتأذن لي بالكلام، فقال: تكلم، فقلت إلام دعا الله و رسوله؟ فسكت هنيهة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلت: "إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على الرسول صلى الله عليه و سلم سألوه عن الإيمان؟ فقال: أتدرون ما الإيمان، قالوا الله و رسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسوله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و أن تعطوا الخمس من المغنم" قال أحمد، و قال يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، و يذكر أحمد بن حنبل ما جرى بينه و بين علماء البلاط من الكلام و المناظرة ثم يقول: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين لئن أجابك فهو أحب إلي من مائة ألف دينار و مائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد، فقال المعتصم و الله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، و لأركبن إليه بجندي و لأطأن عقبه، ثم قال: يا أحمد، و الله إني عليك لشفيق و إني لأشفق عليك شفقتي على هارون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لما طال المجلس، ضجر و قال: قوموا و حبسني يعني عنده، و عبد الرحمان بن إسحاق يكلمني، فقال المعتصم: ويحك أجبني، فقال: ما أعرفك ألم تكن تأتينا فقال له عبد الرحمان بن إسحاق: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك و الجهاد و الحج معك، قال فيقول: و الله إنه لعالم، و إنه لفقيه، و ما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل، ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحا الرشيدي، قلت: قد سمعت باسمه، قال كان مؤدبي، و كان في ذلك الموضع جالسا، و أشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ و سحب. ثم قال يا أحمد، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قلت أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه و سلم فطال المجلس و قام، و رددت إلى الموضع الذي كنت فيه. فلما كان المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد، يبيتان عندي و يناظراني و يقيمان معي حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام، و يجتهدان بي أن أفطر فلا أفطر/ و وجه إلي المعتصم بن أبي دؤاد في بعض الليل فقال يقول أمير المؤمنين ما تقول؟ فأرد عليه نحوا مما كنت أرد فقال ابن أبي دؤاد و الله لقد كتبت اسمك في السبعة يحيى ابن معين و غيره فمحوته، و لقد ساءني أخذهم إياك ثم إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب و أن يلقيك في موضع لا تر فيه الشمس، و يقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عليه بيدي و أنصرف. فلما كان في الليلة الثالثة: قلت خليق أن يحدث غدا من أمري شيء. فقلت لبعض من كان معي الموكل بي ارتد لي خيطا، فجاءني بخيط فشددت به الأقياد و رددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي فأدخلت فإذا الدار غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع و قوم معهم السيوف، و قوم معهم السياط و غير ذلك، و لم يكن في اليومين الماضيين كبير عدد من هؤلاء، فلما انتهيت إليه قال: أقعد ثم قال: ناظروه كلموه فجعلوا يناظرونني، يتكلم هذا فأرد عليه، و يتكلم هذا فأرد عليه، و جعل صوتي يعلوا أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاني و ردني إلى عنده، فقال ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي فرددت عليه نحوا مما كنت أرد، فقال: عليك و ذكر اللعن، و قال خذوه و اسحبوه و اخلعوه، قال فسحبت ثم خلعت.

قال: و كان قد صار إلي شعر من شعر النبي صلى الله عليه و سلم في كم قميصي فوجه إلي إسحاق ابن إبراهيم ما هذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال: و سعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علي، فقال لهم – يعني المعتصم – لا تخرقوه، فنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما درأ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه. قال: و جلس المعتصم على كرسي ثم قال: العقابين و السياط فجيء بالعقابين فمدت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خذ نأي الخشبتين بيدك، و شد عليهما، فلم أفهم ما قال: فتخلعت يداي. و لما جيء بالسياط، نظر إليهم المعتصم و قال للجلادين: تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له شد قطع الله يدك. فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلي – يعني المعتصم – و قال: يا أحمد، علام تقتل نفسك إني – و الله – عليك لشفيق. قال فجعل عجيفينخسني بقائمة سيفه و قال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم، و جعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم و قال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، أقتله. و جعلوا يقولون يا أمير المؤمنين، أنت صائم، و أنت في الشمس قائم فقال لي ويحك يا أحمد ما تقول: فأقول أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أقول به فرجع و جلس و قال للجلاد: تقدم  و ارجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا  يقبلون علي و يقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، و جعل عبد الرحمان يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ و جعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله. فيرجع. و قال للجلادين تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم و يضربني سوطين و يتنحى، و هو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارية و دسناك، قال أبي: فما شعرت بذلك، و أتوني بسويق و قالوا لي: اشرب و تقيأ. فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت صلاة  الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى بنا، فلما أنفتل من الصلاة قال لي: صليت و الدم  يسيل في ثوبك، فقلت قد صلى عمر و جرحه يثعب دما، و يقول ابنه صالح ثم خلي عنه و صار إلى منزله، و كان مكثه منذ أخذ و حمل إلى أن ضرب و خلي عنه ثمانية و عشرين شهرا، و لقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا ابن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، و الله ما رأيت أحدا يشبهه، و لقد جعلت أقول في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم و أنت في موضع تقية، و لقد عطشت، فقال لصاحب الشراب: ناولني فناوله قدحا فيه ماء و ثلج، فأخذه و نظر إليه هنيهة ثم رده و لم يشرب فجعلت أعجب من صبره على الجوع و العطش و هو فيما هو فيه من الهول. قال صالح: كنت ألتمس و أحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا في تلك الأيام، فلم أقدر و أخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة و هم يناظرونه، فما لحن في كلمة، قال: و ما أظن أحدا يكون في شجاعته و شدة قلبه. و يرحم الله الأستاذ أبا الحسن على الحسنى الندوي إذ يقول: مستخلصا العبر من محنة هذا الإمام العالم الرباني: (و هكذا تنتهي هذه القصة التي لا تزال حجة بطولة الإمام أحمد و قوة العقيدة و عجائب صنع الإيمان، و قد كان من ثبات ابن حنبل و شجاعته و إخلاصه أن انطفأت عقيدة خلق القرآن، و انطفأت معها حركة الاعتزال حتى بقيت مدفونة في كتب الملل و النحل و علم الكلام، و انتصر الإمام العلم أحمد بن حنبل بإيمانه و شجاعته و كان انتصاره دليلا على انتصار الإخلاص و العزم على القوة و الدولة و المعارضات الشديدة و العقوبات الموجعة، و انهزمت حكومة هي من أقوى الحكومات و أوسعها في عصرها، و انهزم معها كل من والاها و التف تحت رايتها من أهل العلم و الجدل و الذكاء و المناصب و الرايات، و كان المعتزلة لو انتصروا في المحنة فاستطاعوا بسيطرتهم العملية و السياسية على البلاط أن يعاقبوا منافسيهم و رئيس الحزب الذي يعارضهم بما شاءوا و ينفذوا فيه إرادتهم و لكنهم خسروا دولتهم، و فقدوا سلطانهم، و قطعوا صلتهم بالشعب، فقد كرههم منذ ذلك اليوم كراهية شديدة، و انصرفت القلوب عنهم، و لم يزل نجمهم في أفول حتى غرب من غير رجعة غير مأسوف عليه. قال الدكتور أحمد أمين (و لم يسترد المعتزلة يوما ما هيبتهم بعد المحنة) (أوقدوا النار فأحرقتهم "و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله") و خرج أحمد من هذه المحنة خروج السيف من الجلاء و البدر من الظلماء، كما قال بعض معاصريه (أدخل الكير فخرج ذهبا أحمر) و لم يزل بعد ذلك اليوم في صعود و اعتلاء حتى تواضعت القلوب على حبه، و أصبح حبه شعار أهل السنة و اهل الصلاح ، حتى نقل عن أحد معاصريه قتيبةأنه قال (إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة) و قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: (من سمعتموه يذكر أحمد ابن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام)، قال بعض الشعراء:

أضحى ابن حنبل محنة مأمونة

 

و بحب أحمد يُعرف المتنسك

و إذا رأيت لأحمد متنقصــا

 

فاعلم بأن ستوره ستــهتك

و قد اعترف معاصروه بأن غناءه للإسلام و في الدفاع عن القرآن كان عظيما، و أنه سد ثلمة عظيمة كادت تحدث في الإسلام.

و شبهوا يوم المحنة بيوم الردة و قرنوا ذكر أحمد بن حنبل بذكر أبي بكر الصديق، و كفى به عظمة، قال علي بن المديني أحد أئمة الحديث في عصره و من شيوخ البخاري: (إن الله أعز هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة و بأحمد بن أبي حنبل يوم المحنة) و ليس سر عبقرية أحمد بن حنبل في دفاعه عن عقيدة من عقائد الإسلام، و انتصاره لها – و فضله في ذلك لا ينكر – و لكن مأثرته الكبرى التي أكسبته منصب التجديد هو أنه وقف سدا منيعا في اتجاه هذه الأمة إلى التفكير الفلسفي المتهور الذي لو سيطر على هذه الأمة لانقطعت صلتها بالتدريج عن منابع الدين الأولى، و عن النبوة المحمدية، و خضعت هذه الأمة للفلسفات، و أصبحت عرضه للآراء و القياسات، و انتصرت الحكومة على الشعب و السياسة على الذين انتصارا مؤبدا، و سلبت حرية الرأي و العقيدة و لا شك أنها رزية جليلة، و فتنة عظيمة في الإسلام و قد قضى عليها أحمد بن حنبل، و هي في شبابها و أوجها و حفظ هذا الدين من أن يعبث، به العابثون، و تتحكم فيه السلطة و الأهواء و حفظ هذه الأمة من أن تكون في حضانة الملوك الشباب الثائرين المتهورين و بطانتهم يفرضون عليها العقائد فرض الجباياتو يسوقونها إلى أهوائهم سوق المواشي و الحيوانات. و رد إلى العقيدة الإسلامية أصالتها و سلاستها و يسرها و إلى الأمة حريتها و شخصيتها، فاستحق بذلك تقدير الإنسانية و ثناء المسلمين و محبتهم و اعتراف الأجيال القادمة بفضله و إجلال التاريخ و إكباره، فكان من المجددين الكبار في الإسلام.

رحمة الله عليه و جزاه عن الإسلام و المسلمين خيرا.

 

                       الشيخ آق شمس الدين مؤدب السلطان محمد الفاتح

بسم الله الرحمان الرحيم.

" التحية في الإسلام: شعار سلام وعربون محبة وبرهان هوية، وشعيرة تعبدية ".

 

كنت سئلت في جامع المصلى بعين الشق بمدينة الدار البيضاء في أعقاب سلسلة دروس في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيح البخاري عن حكم إلقاء التحية على المسلم من أخيه المسلم بغير لفظ السلام ككلمة "أزول" مثلا فأجبت بما مضمنه أن استبدال تحية الإسلام بغيرها من قبل المسلم على المسلم مع اعتقاد أن هذا البديل أفضل من التحية التي شرعها الله لعباده المؤمنين دليل على مرض في القلب من نفاق أو كفر أو شبهة أو بدعة تدل على كرهه للإسلام وبغضه لمبادئه، وكان السؤال مقتضبا والجواب أشد اختصارا لأن المقام لم يكن مقام بسط وإفاضة، واتفق أن سافرت بعد يومين إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة، ولم يخطر ببالي أن تلك الإجابة المقتضبة ستثير كل هذا اللغط الذي استغرق مدة طويلة على أعمدة الصحف، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي وأسهم فيه الخاصة والعامة، والعرب والعجم، ولم يخطر ببالي ولا ببال الأخ الذي أدرج هذا الجواب على صفحتي في مواقع التواصل أنه سيثير كل هذه الزوبعة التي شغلت هذا الحيز من الوقت في وسائل الإعلام.

وكنت وأنا في غمرة انشغالي بمناسك العمرة في غفلة وبمعزل عن كل هذا، فبينا أنا أردد شعار التوحيد مع رفاقي في هذه الرحلة المباركة ونحن ممتطون الحافلة قادمين من المدينة النبوية متجهين صوب مكة المكرمة، في حماس شديد تغشانا الرهبة ويسودنا الخشوع، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ،بينما أنا هائم في أشواق الروح هذه إذ قطع عني لذة هذا الهيام رنين جرس الهاتف ليخبرني مخبر أن الجواب الفلاني أدرج في مواقع التواصل، فأثار ضجة عمت الآفاق، همست في حديث نفس: قدر الله وما شاء فعل، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ثم أغلقت الجهاز، وأقبلت على شأني، فأنا متلبس بالإحرام وما ينبغي لشأن كهذا أن يفسد علي نسكي، ومن طبعي أن ردود الأفعال لا تستفزني، لكني أخلو بنفسي في مثل هذه الحال، وأتأمل الحدث وظروفه وملابساته وما تقدمه من اعتبارات، وما أعقبه من نتائج، ثم أعالجه بحكمة ولين ومنطق، ولم تكن هذه الحادثة استثناء في تقديري، بل تصرفت وفق دأبي وعادتي ووجدت في نفسي وجدا خفيفا على الجريدة الإلكترونية التي نشرت هذا المقطع، أنها لم ترجع إلي ولم تستأذني مع أنها لجأت إلي في أخذ تصاريح عدة مرات، وإني لأتمثل في شأنها قول الراجز               

        أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ

                                    مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ

وأعود فأؤكد أن استبدال المسلم –في تحيته للمسلم- تحية الإسلام بغيرها وتحية الإسلام: السلام معتقدا أنها أفضل من تحية الإسلام، كقوله صباح الخير، ومساء الخير أو عم صباحا أو عم مساءً، أو بونجوغ أو بونسواغ، أو صباح الفل، او صباح الورد والياسمين أو مما سوى ذلك – مما يخالف تحية الإسلام- هو كما ذكرت آنفا دليل على جهل مطبق بأحكام التحية أو أمارة على مرض في القلب من نفاق أو بدعة أو شبهة أو كفر.

وما اقتصرت على كلمة " أزول" إلا لأن السائل نص عليها في كلامه، وهذه الكلمة لا تعرف عندنا في الجنوب في الأطلسين الكبير والصغير ولدى من يتحدثون بلهجة "تشلحيت" التي تتحدث بها قبائل المصامدة وأحواز مراكش وفروعها في حاحة ومثوكة واداوتنان ودمسيرة ومنثاكة وغيرها.

ولقد اتصلت بإخواننا من أمازيغ الأطلس المتوسط وجبال الريف فأكدوا جميعا أنهم لا يعرفونها، ولعل بعض الباحثين في هذا الشأن اقتبسوها من القبائل الكبرى في بلاد الجزائر.

وما بي يعلم الله تعصب ضد أحد كائنا من كان، وإن الأمازيغ في بلاد المغرب الكبير خاصة الأقصى منه مادة الإسلام وعنصره، وهل حفظ العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية إلا مدارسهم العتيقة التي ينفقون عليها ثلث أعشارهم، وفقهاء هذه المدارس وطلبتها بضاعتهم التي يعتزون بها الأدب العربي ونظم الشعر، وانظر في هذا المعسول لفقيد المغرب العلامة محمد المختار السوسي رحمه الله، "وسوس العالمة" له، "وتفراوت المولود" للأستاذ بومهاوت، "والمتعة والراحة" للفقيه إدبراهيم، " وإتحاف فضلاء الساحة بآثار نبغاء حاحة" للفقيه محمد ألواح، وغير ذلك، ولا أبالغ إن قلت إن أكثر من ستين بالمائة من الخطباء والوعاظ والأئمة وغيرهم من القيمين الدينيين والمحفظين للقرآن الكريم والمدرسين للعلوم الشرعية واللغوية من خريجي هذه المدارس وعبيد الله كاتب هذه السطور ثمرة من ثمرات هذه المدارس فلا زلت أحتفظ بالود والتقدير لشيوخي وأساتذتي من سوسيين وحاحيين ومسفويين من أمثال العلماء أحمد الزيتوني وأحمد العدوي والطيب الباعمراني والبشير المنبهي وعبد الرحمان الرسموكي ومحمد العثماني والحسن وجاج ومحمد السرغيني وأحمد بن عبد الرحمان السليماني وسيدي عمر بن الطيب السليماني وعبد السلام جبران المسفيوي وأخوه سيدي حسن جبران والشيخ أحمد أملاح، والشيخ الحسين راغب والشيخ المختار السباعي والأستاذ عبد السلام بلغاوطي، وغيرهم وغني لأدعو لأحيائهم بالخير وأترحم على موتاهم.

ويعلم الله أن ولائي ليس إلا لله ولرسوله ولصالح المؤمنين، ثم للعقد الفريد من ملوك الدولة العلوية الذين عاصرتهم ووفيت ببيعتهم، لأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وسأظل على وفائي لهم ما دام في الصدر قلب ينبض، ونفس يتردد.

وأحيي بتحية الإسلام وهي تحية من عند الله مباركة طيبة، " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" كل المغاربة عربهم وعجمهم، شيوخهم وشبابهم، رجالهم ونساءهم، وأخصهم بالثناء والإطراء ومنهم الأمازيغ بمختلف لهجاتهم ومناطقهم الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين والذين اتبعوا النبي الأمي وعزروه ونصروه واعتزوا بالنور الذي أنزل معه وساروا على نهجه، واستمسكوا بسنته واقتفوا أثره ووالوا أصحابه وآله وعترته ولم يبدلوا أو يغيروا حتى يلقوه على الحوض ويدخلوا مدخله.

 

السلام في الإسلام:

 

التحية:مصدر حياه يحييه تحية ومعناها في اللغة الدعاء بطول الحياة والبقاء فيقال: حياك الله أي أبقاك، ثم توسع في إطلاق التحية على كل ما هو في معناها من الدعاء الذي يقال عند اللقاء ونحوه، والتحية أعم من السلام فالسلام نوع من أنواع التحية.

تحية الإسلام: قد شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لنا تحية تميزنا عن غيرنا ورتب على فعلها الثواب وجعلها من حقوق المسلم على أخيه فتحولت هذه التحية من عادة من العادات المجردة إلى عمل يفعله العبد تقربا إلى الله تعالى واستجابة لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تستبدل هذه التحية العظيمة بعبارات أخرى لا تؤدي ما تؤديه تحية الإسلام المباركة: مثل صباح الخير أو مساء الخير أو مرحبا أو غير ذلك، مما قد يستعمله بعض الناس جهلا أو إعراضا، وتحية الإسلام: السلام عليكم، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وردها: وعليكم السلام، وعليكم السلام ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا معنى قول الله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.

 

 

 

من فضائل السلام وخصائصه:

1-  أنه من خير امور الإسلام، فعن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أي الإسلام خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: تطعم الطعام وتقرا السلام على من عرفت ومن لم تعرف" رواه البخاري.

2- أنه من أسباب نشر المودة والمحبة بين المسلمين التي هي من أسباب دخول الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم".

قال حبر من أحبار اليهود وهو عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت ممن خرج لاستقباله فلما تأملت وجهه، علمت أنه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته من كلامه:

" أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".

3- وأن كل جملة من مجموع التحية بعشر حسنات وهي ثلاث جمل، فلمن جاء بها كاملة ثلاثون حسنة، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "السلام عليكم فرد عليه وجلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر، ثم جاء رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه وجلس، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثلاثون".

 

حكم السلام ورده: السلام سنة مؤكدة ورده واجب عينا إذا قصد به شخص واحد وعلى الكفاية إن قصد به جماعة، فإن رد جميعهم فهو أفضل، فمن سلم فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فجوابه وعليكم السلام ورحمة الله، وإن زاد وبركاته فهو أفضل، لكن لا يجوز الاقتصار في جوابه على: وعليكم السلام فقط لأنها دون السلام عليكم ورحمة الله، قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:

أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل ما سلم أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة.

 ومما يعتبر جوابا غير سائغ شرعا أن يرد بقوله: أهلا ومرحبا مكتفيا بها  وذلك لأنها ليست بجواب سائغ شرعا ولأنها أنقص من السلام بكثير فإن قوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وما تحمله من معان عظيمة أفضل من قول القائل: أهلا ومرحبا ولكن لا بأس بقولها وغيرها  بعد رد السلام، فقد ثبت قول النبي صلى الله عليه وسلم: مرحبا بأم هانئ ومما يدل على هذا أن عمير بن وهب لما بعثه صفوان بن أمية ليغتال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وفطن له الصحابة فأوثقوه وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنعموا صباحا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبدلنا الله بتحية الجاهلية خيرا منها: السلام.

وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مخبرا له عن سوء أدب اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يقولون إذا حيوه: السام عليك يا محمد وكان يجيبهم صلى الله عليه وسلم وعليكم. قال تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها وبيس المصير}، وفي قوله تعالى: {حيوك بما لم يحيك به الله} دليل على عدم جواز استبدال تحية الإسلام بغيرها.

وفي البخاري ما يدل على أن السلام شعبة من شعب الإيمان، إذ روى عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار".

ومما ورد في ذم من ترك التسليم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أبخل الناس من بخل بالسلام".

- يشرع تبيلغ السلام وتحمله، وعلى المبلغ أن يرد السلام، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " إن جبريل يقرأ عليك السلام" فقالت: " وعليه السلام ورحمة الله".

- السنة في السلام أن يسلم الصغير على الكبير والماشي على الجالس والراكب على الماشي والقليل على الكثير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير.

ومن السنة إعادة السلام إذا افترق الشخصان ثم تقابلا بدخول أو خروج أو حال بينهما حائل ثم تقابلا بعد ذلك، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " وإذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حُجرة ثم لقيه فليسلم عليه أيضا".

وفي حديث المسيء صلاته أنه كلما ذهب ورجع سلم ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فتفرقوا يمينا وشمالا ثم التقوا من ورائها سلم بعضهم على بعض".

ويجوز السلام على النساء المحارم أما غيرهن من الأجنبيات فيجوز السلام عليهن إذا أمنت الفتنة بهن وعليهن وهذا يختلف باختلاف النساء والأحوال والأماكن فليست الشابة كالعجوز، ولا من دخل بيته فوجد فيه نسوة فسلم عليهن كمن مر بنساء لا يعرفهن في الطريق.

وأما المصافحة للنساء الأجنبيات، فلا تجوز مطلقا ومن أدلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا لا أصافح النساء" وقالت عائشة رضي الله عنها في معرض حديثها عن بيعة النساء أنه صلى الله عليه وسلم كان يبايع الرجال على الإسلام ويصافحهم، ويبايع النساء مشافهة فلا والله ما مست يده يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا كلاما وكان يقول: " أمسكي يدك فقد بايعتك" وقال صلى الله عليه وسلم: " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

ويستحب لمن كان في مجلس ثم أراد أن يغادره أن يسلم عند المغادرة كما يسلم عند الورود لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا انتهى أحدكم من المجلس فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة" أخرجه الترمذي وأبو داوود.

وذكر الإمام البغوي رحمه الله بسنده عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إن مما يمحض لك ود أخيك ثلاثا، أن تبدأه بالسلام إذا لقيته وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسع له في المجاس".

السلام على الصبيان: ويستحب السلام على الصبيان باتفاق العلماء لحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "مر على صبيان فسلم عليهم" أخرجه الإمام مسلم. واختلف أهل العلم في رد الصبي على الجماعة: هل يسقط فرض رد السلام عن الرجال البالغين؟ والصحيح هو سقوط فرض رد السلام كما نقل عن النووي أنه قال: المسألة فيها وجهان وأصحهما أنه يسقط كما هو الحال في صلاة الجنازة، ومن الأخطاء المنتشرة بين الناس أنهم لا يلقون السلام، ولكن يقولون: صباح الخير، ومساء الخير، أنعم صباحا، أنعم الله بك، وهذا خطأ لحديث عمران بن حصين قال: "كنا في الجاهلية نقول أنعم الله بك  وأنعم صباحا فلما جاء الإسلام نُهينا عن ذلك" أخرجه أبو داود.فإن بدأ الإنسان بالسلام فلا حرج أن يتبعها بصباح الخير أو مساء الخير أو غيرها .

 

 

 

سمو معنى التحية وأهدافها في الإسلام:

وخلاصة الأمر أن السلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين فأصبحت جزءا من كيانهم وشعيرة من شعائر الله التي تزكو بها أرواحهم، لقد صاح الإسلام منذ بزغ فجره وأشع نوره صيحته المدوية في آفاق الدنيا يدعو الناس إلى توحيد الله، ويرسم المعالم البارزة التي تجعل الناس متشبعين به، إن الإسلام يكرم الحياة، ويقيم دعائمها ويحبب الناس فيها، ويحرر الناس من عقدة الخوف ويرسم الطريقة المثلى لتمضي الإنسانية متجهة إلى غاياتها المأمولة في الرقي والازدهار في ظلال الأمن على النفس والروح والعقل والعرض وضمان العيش الكريم بتوفر الغذاء والري {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف}.

ولفظ الإسلام الذي هو عنوان هذا الدين مأخوذ من مادة السلام لأن السلام والإسلام يلتقيان في صناعة السكينة والطمأنينة والاستقرار ورب هذا الدين سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى السلام لأنه يؤمن الناس بما شرع من مبادئ ورسم من خطط ومناهج، وحامل هذه الرسالة هو حامل رسالة السلام لأنه يحمل إلى البشرية الهدى والنور والفلاح والرشاد لأنه يعرب عن نفسه قائلا: "إنما أنا رحمة مهداة" ويبرز القرآن الكريم أهم أهداف الرسالة فيقول: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وتحية المسلمين التي يؤلف الله بها بين القلوب، ويقوي وشائج القربى، ويدعم بها أواصر المودة بين الناس هي السلام: وأولى الناس بالله وأقربهم إليه من بدأ الناس بالسلام، وبذل السلام للعالم وإفشاؤه عنصر من عناصر الإيمان، وشعبة عظيمة من شعبه، وقد اختار الله هذا اللفظ ليكون قالبا لتحية المسلمين لإشعار الجميع أن دينهم دين السلام والأمن، وأنهم أمة السلم وصانعوا السلام، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا"، وما ينبغي لإنسان أن يخاطب إنسانا دون أن يبدأه بالسلام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "السلام قبل الكلام" رواه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ما جاء في السلام قبل الكلام وحسنه الألباني في صحيح الترمذي وفي الصحيحة، وسبب ذلك أن السلام أمان ولا كلام إلا بعد الأمان.

والمسلم مكلف وهو يناجي ربه، ويؤدي شعائره وينهض بفروضه أن يسلم على نبيه وعلى نفسه وعلى الصالحين من عباده: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإذا فرغ من أداء شعائره وباشر الابتغاء من فضل الله، أقبل على الدنيا من شرفة السلام والرحمة والبركة، وحتى في أثناء الصدام  مع غير المسلمين، وفي أتون المعركة، إذا همس المحارب بكلمة السلام، وجب الكف عنه وحقن دمه فورا: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مومنا}.

والله تعالى يحيي عباده بالسلام: {تحيتهم يوم يلقونه سلام}، وتحية الملائكة في الآخرة للصالحين الأبرار سلام: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}، ومستقر الصالحين في دار الكرامة بيت الأمن والسلام {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} {لهم دار السلام عند ربهم} وليس في الجنة لغو ولا رفث ولا لغط {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما}، {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}.

            وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.                                                                                   

بقلم الشيخ محمد زحل

 

«اعلم أن المقلد ليس على ثقة فيما قلد، و في التقليد إبطال منفعة العقل، لأنه خلق للتأمل و التدبر، و قبح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها و يمشي في الظلمة، و اعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم التفحص عن أدلة إمامهم فيتبعون قوله، و ينبغي النظر إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي رضي الله عنه للحارث الأعور و قد قال له: أتظن أن طلحة و الزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله».

ابن الجوزي

 

شاع الخلاف و كثر اللغط في الآونة الأخيرة في مسألة الاجتهاد و العمل بالنص الثابت الصحيح عند وروده معارضا لفرع من فروع الفقهاء في مذهب معين، خاصة حينما أخذ بعض الناس يتحررون من ربقة التقليد و يعملون بنصوص السنة الصحيحة و لو خالفت فروع المذهب، و كاتب هذه السطور يود أن يحسم الخلاف في هذه المسألة في ظلال الكتاب و السنة و على هدي أقوال الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين، ببحث علمي متزن رزين مجانب للتعصب و التنطع، بعيد عن المناوشات و المهاترات.

و المسلم الذي يدين الله سبحانه بتوحيد الربوبية و الألوهية و الأسماء و الصفات، و يجرد المتابعة للنبي صلى الله عليه و سلم، لا يطلب الفتوى في فروع الفقهاء حتى ييأس من وجود نص ثابت عن المعصوم صلى الله عليه و سلم ، في الموضوع الذي شغل باله و أضنى تفكيره، إذ لا يجوز تعطيل سنته صلى الله عليه و سلم لرأي أو تقليد، كما قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه «لا يحل القياس و الخبر موجود» و اشتهر لدى المتأخرين من الأصوليين «إذا ورد الأثر بطل النظر» و قولهم: «لا اجتهاد في مورد النص» و قال بعضهم «لا يقلد إلا عصبي أو غبي».

 

الأدلة من الكتاب:

و مستند هؤلاء الأئمة فيما ذهبوا إليه من مؤاخذتهم المقلدين بغير علم، كتاب الله تعالى الذي نعى على أهل الكتاب طاعتهم العمياء لرهبانهم في كل ما أفتوا به من الباطل، و شدد النكير عليهم فاعتبر ذلك شركا مبطلا لتوحيد الربوبية و قال: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ (1) و قال في سورة الشورى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ (2) و وردت في تفسير الآية الأولى آثار نجتزئ منها بما رواه حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر القرطبي في كتابه: «جامع بيان العلم و فضله» من حديث عدي بن حاتم الطائي أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم: «إني كنت بالشام فلم أرهم يعبدونهم فقال صلى الله عليه و سلم أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم، و لكنهم جعلوا حلال الله حراما و حرامه حلالا فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية»، و يقص القرآن الكريم علينا – على سبيل التحذير و الاعتبار – موقفا من مواقف المشركين الغلاة في الجمود و التقليد فيذكر أنهم آثروا ضلالهم على وحي الله و هداية الرسل، و ذلك إذ يقول: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (3) و في مشهد حي مؤثر من مشاهد يوم القيامة يبرز ربنا سبحانه لأولي النهى أصحاب القلوب الحية ما يؤول إليه شأن المقلدين (بالكسر) و المقلدين (بالفتح) من الخزي و الندامة و التبرؤ و الحسرة يوم العرض على الله عندما يستشعرون هلاكهم بالخلود في النار.

تأمل ذلك في هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (4) و لم يكن للمشركين و الجهلة من حجة حينما يواجهون باعتراض و استنكار إلا أن يزعموا أنهم على هدى الآباء و الأجداد: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (5) و لم يملك التابعون و هم يرون متبوعيهم قد أوردوهم موارد الهلكة إلا أن يحملوا تبعة ضلالهم و يدعوا عليهم بمضاعفة العذاب و اطراد اللعنة، اقرأ إن شئت قول رب العالمين: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (6) قال العلامة المحقق محمد بن علي الشوكاني عقب هذه الآية: «و هذه الآيات و غيرها مما ورد في معناها ناعية على المقلدين لاتحاد العلة و قد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و أن الحكم يدور مع العلة وجودا و عدما».

و أما الآيات الدالة على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه و سلم و الاستمساك بسنته و الاستقامة على أمره و منهجه فهي كثيرة جدا، أكتفي منها بما يحقق المراد، و يدل على المقصود تذكرة لأولي النهى و عبرة، و تنبيها لذوي البصائر و تبصرة، فحين يتلى الحكم صادرا عن الله أو عن رسوله تنتهي القضية و يحسم الأمر بالنسبة للمؤمن فيستسلم طائعا راضيا، على حين يبقى للمنافق و المبتدع و الكافر مجال للرد و مرتع للخوض ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا (7) و هذا المعنى أبرز واضحا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (8) و هو كناية عن عدم جواز مخالفة أمر الله أو مجانبة هدي الرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما أحسن ما قال ابن القيم في «أعلام الموقعين»: «أي لا تقولوا حتى يقول، و لا تأمروا حتى يأمر و لا تفتوا حتى يفتي، و لا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه و يمضي» و إعلان العصيان لله و رسله دأب الكافرين و شعار المكذبين: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (9) و طاعة الرسول تتحقق بها طاعة الله و لا تنفصم إحداهما عن الأخرى أو تتميز عنها ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (10).

و أوجب سبحانه رد ما يختلف فيه من القضايا و الأحكام إلى كتاب الله و سنته و رسوله صلى الله عليه و سلم و جعل ذلك شعار أهل الإيمان و التقوى فقال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (11).

و أنقل هاهنا عقد جوهر يتلألأ نورا و إشراقا من كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله و أجزل مثوبته، «فأمر تعالى بطاعته و طاعة رسوله و أعاد الفعل «يعني قوله: و أطيعوا الرسول» إعلاما بأن طاعته صلى الله عليه و سلم تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه أوتي الكتاب و مثله معه، و لم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل و جعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول».

و الإعراض عن منهج الله و الرسول يؤدي حتما إلى الفرقة و الشتات الذين يترتب عليها الضعف و الذلة و الصغار، كما أن الثبات عليه يتطلب صبرا و حزما و اتزانا و تعقلا، إذ لابد من فتنة الأعداء و تآمر المبتدعة و المضلين و لذلك قال ربنا: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (12) و حكم على قوم بالنفاق لأنهم آثروا حكم الطواغيت على حكم الله و قضاء الرسول صلى الله عليه و سلم، ذلك أن الشيطان استدرجهم إلى الضلال البعيد الذي يستوجب سوء العاقبة و هوان المصير، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (13)، و جعل أخص خصائص أهل اليقين و الإيمان في سرعة استجابتهم، و كمال انقيادهم لحكم الله و الرسول فكسبوا بذلك فلاح الدنيا و سعادة العقبى و ذلك غاية ما تشرئب إليه أعناق الصالحين، و ترنو إليه أنظار المتقين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (14).

 

الأدلة من السنة:

و أما السنة ففيها كثير من القطوف الدني جناها، المغري مشتهاها، أورد منها ما تمس إليه الحاجة، و يعين على بلوغ المرام، متحاشيا التعليق إلا ما لابد منه:

روى البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قيل: و من يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى»، فدل الحديث على الفلاح المطلق في اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم و أن من جانب سبيله فقد حرم خيرا كثيرا.

و أخرج البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال: «جاءت ملائكة إلى النبي و هو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، و قال بعضهم إن العين نائمة و القلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا و جعل فيها مأدبة و بعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار و أكل من المأدبة، و من لم يجب الداعي لم يدخل الدار و لم يأكل من المأدبة، فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم، و قال بعضهم إن العين نائمة و القلب يقظان فقالوا: فالدار الجنة و الداعي محمد صلى الله عليه و سلم فمن أطاع محمدا صلى الله عليه و سلم فقد أطاع الله، و من عصى محمدا صلى الله عليه و سلم فقد عصى الله، و محمد صلى الله عليه و سلم فرق بين الناس».

و أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «إنما مثلي و مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني و إني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، و كذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم و اجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به و مثل من عصاني فكذب بما جئت به من الحق».

و قد تنبأ الرسول صلى الله عليه و سلم بهؤلاء الطاعنين في السنة بدعوى الاكتفاء بالقرآن ناسين أو متناسين أن كثيرا من دعائم الإسلام إنما جاءت مجملة في القرآن أو مشارا إليها إشارة خفيفة فلولا بيان الرسول صلى الله عليه و سلم الوارد في سننه الصحاح لما عرفنا كيفية أدائها كفريضة الصلاة مثلا، و أنصبة الزكاة و بيان القدر الواجب أداؤه في كل صنف من العين و الحرث و الماشية و غيرها، و لذلك أخرج أبو داود و الترمذي و الحاكم و صححه و أحمد بسند صحيح من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه و ما وجدتم فيه من حرام فحرموه، و أن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي و لا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها و من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه»، و روى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «ذروني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه و إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم».

 

الهوامش:

  • التوبة:31
  • الشورى: 21
  • الزخرف: 22 – 23
  • البقرة: 166 – 167
  • الأنبياء: 52 – 53
  • الأحزاب: 67 -68
  • الأحزاب: 36
  • الحجرات: 1
  • آل عمران: 32
  • النساء: 79 – 80
  • النساء: 58
  • الأنفال: 46
  • النساء 60
  • النور: 51 – 52

 

المراجع:

  • القرآن الكريم
  • كتب الحديث: «الأصول الستة و غيرها».
  • «القول المفيد في الاجتهاد و التقليد» للشوكاني.
  • «أعلام الموقعين» لابن القيم.
  • «إيقاظ الهمم» للشيخ علم الدين الفلاني.
  • «جامع بيان العلم و فضله» لابن عبد البر.
  • «الحديث حجة بنسفه في العقائد كالأحكام» للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
  • «بدعة التعصب المذهبي» لمحمد عيد عباسي.

 

     مجلة الفرقان العدد 1 / السنة الأولى / (رمضان- شوال) 1404 ﮬ / ( يونيو – يوليوز) 1984م

 

 

قال الشيخ العلامة  »محمد زحل« حفظه الله تعالى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

·       المولد و المنشأ و ظروف النشأة :

و به سبحانه أستعين،

ولدت في سنة 1943م – 1363هـ في بلدة تيلوى دوار إكوزلن، فرقة أيت بها، قبيلة نكنافة حاحة الشمالية الغربية فرع من قبائل حاحة الكبرى التي تمتد بمفهومها الحديث فيما بين الصويرة و مدينة أڭادير على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي بينما هي في إطلاقها القديم تشمل كل المناطق الممتدة من عبدة و حوز مراكش إلى تخوم تارودانت  فيما يعرف قديما بقبائل المصامدة. يدل على ذلك أن صاحب المعجب في تاريخ المغرب عبد الواحد المراكشي الأديب المؤرخ المشهور لما ذكرشيشاوة قال: نهر ببلاد حاحة، كما أن الحسن الوزان في كتابه وصف إفريقيا لما ذكرالصويرة القديمة التي على الساحل فيما بين الصويرة و آسفي وهي في أرض قبائلعبدة حاليا، صنفها مع مدن حاحة و كان المغرب في هذه الحقبة التي ولدت فيها في أسوء مراحله التاريخية عسرا و صعوبة فهو يتململ تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي و يعاني من ويلاتها خاصة المناطق الجبلية و الريفية التي يعيش فيها قواد القبائل فسادا في الأرض و يستذلون السكان و يظلمونهم و يخنقون أنفاسهم، أضف إلى ذلك كله أن الحرب العالمية الثانية قائمة شرسة لا تبقي و لا تذر و المغرب منخرط فيها بكل قواه إلى جانب فرنسا و الحلفاء و الأوبئة المتفشية المستعصية على العلاج تأكل الأخضر و اليابس، ففي عام 1946م مات نصف سكان المغرب من الطاعون كما تذكر تقديرات المستعمر الفرنسي و إحصائياته فبلادي الحبيبة كانت في هذه الفترة أسيرة أعدائها الأربعة، فرنسا المستعمرة و الظالمة المؤذية و الثلاثة الآخرين، الجهل و الفقر و المرض بالإضافة إلى الخرافات و البدع و انحراف التدين عن المنابع الصافية للدين التي لم يشبها الكدر من الكتاب و السنة و منهج سلف الأمة و الهدي العملي لخير القرون المشهود لها بالفضل و الخيرية و قد اضطر الوالد رحمه الله تحت وطأة الأسباب و الظروف الآنفة الذكر إلى مغادرة بلدتنا بحثا عن حياة أقل شدة و عيشة أقل ضنكا، فلم يجد أمامه غير مدينة الصويرة التي عمل في أحد مساجدها إماما و محفظا لكتاب الله تعالى و يرجح أن هذه الهجرة للوالد و الأسرة كانت و أنا في العام الثاني من عمري في سنة 1944م. لم تكن الأسرة في السنوات الخمس التي قضيناها فيالصويرة أسعد حالا و لا أكثر استقرارا كما كانت ترجو بل مات أخي الأكبر و أخواي الآخران اللذان جاءا من بعدي فتشاءم الوالد بالصويرة و الإقامة فيها فشد أمتعته و غادرنا الصويرة غير آسفين عائدين إلى قبيلتنا نكنافة من جديد و ذلك في عام 1949م بعد عام من نكبة ضياع فلسطين و قيام دولة اليهود بها.

·       الشروع في التعلم :

كان نموي بطيئا و بنيتي شديدة الهزال و لذلك لم يشرع والدي في تعلمي مبادئ القراءة و الكتابة إلا في سنة 1950م و لم يكن الوالد يمارس الزراعة بنفسه بل كان يعطي الأرض لمن يزرعها مقابل جزء مما يخرج منها و كانت له بعض المواشي لكن لما بلغت سن الدراسة باع كل شيء و قال لو احتفظت بهذه الماشية فسيكون ابني جاهلا راعيا و لن يكون متعلما و لم يكن في مناطقنا إذ ذاك مدارس نظامية و لا تعليم رسمي و إنما كانت هناك الكتاتيب القرآنية و المدارس العتيقة فترك الوالد البيت و الفلاحة و جعل يشارط في مساجد المداشر  و الدواوير يؤم الناس في الصلاة و يعلم كتاب الله و كان الذي أجبره على هذا العمل كما يقول أن يكون ابنه من المتعلمين و ليس من الجهال الرعاة للمواشي.

تعلمت مبادئ القراءة و الكتابة على يد الوالد رحمه الله و بدأت أحفظ كتاب الله بدءا من قصار السور من آخر المصحف كما جرت العادة و العرف و ما إن وصلت إلى سور تبارك الملك  حتى أصبت بشلل تام منعني من الدراسة و حال بيني و بين القيام على رجلي، و لم تفكر الأسرة في طبيب و لا علاج و لكنهم كانوا يذهبون بيإلى بعض الأضرحة  -غفر الله لهم- بقيت أسير الشلل ثلاث سنوات إلى آخر سنة 1953م وهي السنة التي نفي فيها السلطان محمد الخامس و أسرته خارج الوطن،استأنفت حفظ كتاب الله تحت رعاية الوالد رحمه الله  فأتقنته و أحكمته لفظا و رسما بفضل من الله و فتح منه تعالى في سنتين ونصف بحيث لم يأت النصف الأخير من سنة 1956م وهي فجر الاستقلال إلا وقد بعثني الوالد إلى المدرسةالجزولية لتعلم مبادئ العربية و الفقه و مفاتيح العلوم الأخرى تحت رعاية الشيخ أحمد بن عبد الرحمان السليماني الحسني و لما كان صديقا للوالد فقد أولاني رحمه الله عناية خاصة و حفظت على يديه كثيرا من المتون في العربية و الفقه كالاجرومية و نظمي الزواوي و الجمل و لامية الأفعال وألفية ابن مالك و تحفة ابن عاصم و متن المرشد المعين و متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني و بعض المتون الأدبية، كما حضرت أيضا شرح كثير من هذه المتون صحبة زملائي الطلاب و تلقيناه عنه رحمه الله و كان الذي استفدناه  من أدبه و سمته و حزمه و صرامته أكثر مما استفدناه من علمه.

مكثت عند هذا الشيخ سنة و بضعة أشهر.

كان الطلاب من الجيل السابق لجيلي ممن سبقني إلى طلب العلم يدرسون في مدرسة أخرى بمركز تنمار الإداري في قبيلة «إذاﯖلول» من قبائل حاحة الكبرى و كانت تبعد عن الجزولية بحوالي ستين كيلومترا، و كان لها صيت و شهرة، و كنا حين نلتقي بطلابها نلاحظ فيهم شجاعة أدبية و جرأة على الكلام و انتقاد الأساليب العتيقة في التعليم لدى بعض الشيوخ كما كنا نعجب كل العجب من هجومهم على الطرق الصوفية و انتقادهم لزواياها و اعتراضهم على الأضرحة و غلو الناس فيها، و ما يساق لها من القرابين و النذور فطلبت من الوالد رحمه الله أن يأذن لي بالالتحاق بالمدرسة الهاشمية بتنمار، و آنست منه عدم الرضى إلا أنني لم أزل به حتى أقنعته فوافق على انتقالي إليها و كان اسم الشيخ الذي يديرها و يدرس فيها هو العلامةالخلوق السمح سيدي البشير بن عبد الرحمان السوسي البرحيلي المنبهي الملقب بتوفيق و هو والد الدكتور محمد عز الدين توفيق الأستاذ الداعية المعروف، و قد استفدنا من علمه و أدبه و خلقه و سمته و نفعني  الله بذلك.

ثم التحقت بعد سنة أخرى بالمعهد الإسلامي بتارودانت الذي بناه المحسن الكبير «الحاج عبد السوسي» و تديره جمعية علماء سوس، و كان من الأساتذة الذين تلقيت عنهم في هذا المعهد في مختلف العلوم و الفنون جماعة منهم السادة الأفاضلمحمد السرغيني و الطيب الباعمراني و عبد المالك أزنير و عبد الرحمان الرسموكيو أحمد الوجاني البودراري و أحمد العدوي و غيرهم، ثم غادرت تارودانت لأسباب لا يتسع الوقت لذكرها بعد سنتين متجها إلى مدينة مراكش حيث التحقت بكلية ابن يوسف ذات الصيت الذائع و التاريخ العريق و أخذت فيها عن شيوخ نظاميين كانوا يتولون التدريس في الكلية و آخرين غير نظاميين كانت لهم دروس خاصة في المساجد. فمن الأولين الشيوخ الأجلاء السادة : الحسين راغب، و أحمد أملاح، وحسن جبران، و عمر فوزي و المختار السباعي، و محمد التازي و محمد الحيحيالمعروف ببزي و غيرهم، و من الآخرين غير النظاميين، العلامة الرحالي فاروق رئيس المجلس العلمي بمراكش، و عبد السلام جبران، و القاضي عبد السلام السرغيني و غيرهم.

·        فترة العطاء في ميداني التعليم و الدعوة 

تخرجت من كلية ابن يوسف في منتصف سنة 1963م.

واتجهت إلى مدينة الدار البيضاء العاصمة الإقتصادية للملكة حيث شاركت في مباراة مدرسة المعلمين دورة شتنبر ونجحت صحبة مجموعة من الزملاء ممن درسوا معي بمراكش وبعد سنة من التكوين في الدروس النظرية والعلمية تخرجت بنجاح وتفوق مما خولني التعليم بنفس المدينة وكان نشاطي مزدوجا حافلا متواصلا بإذن الله، فكنت أقوم بالتدريس في المدارس الحكومية وأمارس الدعوة في المساجد والأندية ودور الشباب والجمعيات الثقافية. وهكذا خطبت الجمعة في مساجد:  جامع الحجر بدرب غلف، ومسجد الحاج علي الهواري بالقريعة  و مسجد السنة بدرب الطلباءوجامع الشهداء بالحي المحمدي . وألقيت دروسا متوالية طويلة الأمد في كل منالمسجد اليوسفي بقرية الأحباس والمسجد المحمدي بها و مسجد الفوارات بالحي المحمدي،و الجامع العتيق بعين الشق ومسجد الحفاري بدرب السلطان  و مسجد بين المدن  و مسجد التوحيد، بحيث ابتدأت تفسير القرآن العظيم سنة 1976م من سورة الفاتحة وانتهينا هذه السنة (2008م) إلى سورة الحشر.

كما شرحت كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب داعية النوحيد في نجد والجزيرة ،في مسجد الفوارات.

ودرَست آيات الأحكام في المسجد اليوسفي ،كما فسرت سور المفصل فيه وفي المسجد المحمدي ،وباشرت شرح صحيح الإمام مسلم على امتداد سنتين في جامعالشهداءالذي كنت خطيبه أيضا.

ودرَ ست جزءا كبير ا من جامع الترمذي في مسجد الفوارات. وشرحت صحيح البخاري على امتداد ثلاث عشرة سنة في جامع عين الشق العتيقمن أوله إلى كتاب المظالم حيث وصلنا هذه الأيام.

وشاركت في تأسيس الحركة الإسلامية أوائل السبعينات بمعية الأساتذة عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال وعبد اللطيف عدنان وعلال العمراني وعمر عصامي   وإدريس شاهين وآخرين,

وأسست مجلة الفرقان سنة 1984م وأدرتها عشر سنوات بمعية الدكتور سعد الدين العثماني وكتبت فيها مقالات مختلفة ونبذا من تفسير آيات الأحكام .كما عملت فيجمعية أنصار الإسلام صحبة الفقيه العلامة محمد مفضال السرغيني والأستاذ محمد الجبلي وكنت كاتبا في التوجيه الإسلامي في جمعية شباب الدعوة الإسلامية التي كان مركزها في عين الشق وكنت عضوا في رابطة علماء المغرب وحضرت مِؤتمرها السابع بمدينة أكادير صحبة المرحوم إدريس الجاي ومحمد فوزي وأحمد العمري كما حضرت مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين في أوربا فرع إسبانيا في مخيم رالفكار بضاحية غرناطة سنة 1972م وألقيت فيه قصيدة صحبة الأساتذة الإخوة عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ، كان من جملة من كان معنا في هذا المؤتمر، الأستاذ زهير الشاويشرئيس المكتب الإسلا مي ببيروت والعلامة محدث الشام الأستاذ ناصر الدين الألباني وقد دام المؤِتمر أسبوعا كاملا، وكان المِؤتمر تحت إشراف الأستاذ نزار الصباغ السوري الذي قتل شهيدا ببرشلونة رحمه الله ،وأنا الآن عضو مؤسس  بمنظمة الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين وقد حضرت مؤتمرها الأخير في مدينة إستانبول بتركيا منذ سنتين (2006م).

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله  رب العالمين.