أعلى
عنوان المادة الشيخ تحميلات الحجم إستماع/تحميل
خطبة جمعة حول الشرك الشيخ محمد زحل457751.90 MB  
القيامةالشيخ محمد زحل329032.84 MB  
غض البصر الشيخ محمد زحل1709227.40 MB  
من نوااقض الإسلام.. الشيخ محمد زحل186937.10 MB  
الظلمالشيخ محمد زحل262332.10 MB  
 
 

أعراف جاهلية أبطلها الإسلام (1)

                                              

                                                                                             الشيخ محمد زحل

 

-  التبني

-  وإلحاق الزوجة بالأم في التحريم المؤبد في الظهار

-  واعتبار كل ألمعي حافظ ذا قلبين.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَىاللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَأَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمبِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَاللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَاأَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5) ﴾.الآيات «1-5» من سورة الأحزاب.

سبب النزول: قال الإمام القرطبي:«روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود قريضة والنضير وبني قينقاع وقد تابعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه وكان يسمع منهم ... فنزلت».

- وذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم «أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور الشلمي وقد نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد أحد فأعطاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمان على أن يكلموه فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب أرفض ذكر آلهتنا واللات والعزة ومناة ، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك،  فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة. فنزلت الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَعَلِيمًا حَكِيمًا ﴾».

- وفي رواية الواحدي والقشري أن جميل بن معمر الفهري كان حافظا لكل ما يسمع فقالوا: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان فسمي ذا القلبين واستفزه الشيطان فقال: «إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد» فلما هزم المشركون يوم بدر وفيهم جميل بن معمر رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال أبو سفيان ما حال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أن لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. فأنزل الله تعالى﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾.

- وقال ابن عباس سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمد له قلبان لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة، ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل بقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ذكره القرطبي.

- وذكر السيوطي في الدر المنثور بسنده عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تبنى بزيد بن حارثة وأعتقه قبل الوحي فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون «تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها» فنزل قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت الآية الكريمة ﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُعِندَ اللَّهِ ﴾.

مفردات النص:

«اتق الله»: أمر النبي بذلك يعني المداومة على أسباب الطاعة والترقي في منازلها درجة بعد درجة. ولفظ التقوى من لكلمات الجامعة في الاصطلاح الإسلامي وتعني إتيان كل خير والإعراض عن كل شر وأصله «الوقاية بمعنى الحفظ والصيانة، وأفاد في اللسان» أن التقوى والاتقاء التقاة والتقية كلها بمعنى. ومن الكلمات الجوامع في بيان معناها ما نقله الحافظ بن كثير عن طلق بن حبيب قال: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله».

«الكافرين»: أصل استعمال مادة «الكفر» الستر والتغطية، وكل من ستر شيئا وعمى عنه وتعمد إخفاءه فقد كفره، ولما تعمد الجاحد لنعم الله وألطافه وهباته وأفضاله إخفاء كل ذلك سمي كافرا، ويسمى الزارع كافرا لإخفائه البذور في باطن الأرض والبحر كافرا لخفاء ما فيه من عجائب المخلوقات، ومن ثم ألغز الحريري في مقاماته: « ما تقول في ميتة الكافر؟ قلنا: حل للمقيم والمسافر» يعني  ميتة البحر التي ورد في حكمها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ومن لطائف التعبير في الكتاب العزيز ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾ وقد عنى بالكفار الزراع وذلك صحيح معنى  ولغة أما صحته لغة فقد عرفته، وأما صحته معنى فإن الذين تصيبهم الحوائج في زروعهمفغالبا ما يكونون من النوع الجاحد لفضل الله ونعمه بوجه من الوجوه. ويسمى الليل أيضا كافرا لكونه يستر بظلامه أشياء محسوسات ومعفويات، ومن ثم قالت العرب في أمثالها: «الليل أخفى للويل» وقالوا: «أمر تدبر بليل».

والكفر بحسب الاعتقاد أقسام أربعة:

1- كفر تعطيل وهو إنكار الألوهية بالمرة ونسبة الوجود إلى الطبيعة وهو قول الدهرية الأوائل والماديين الجدد، وقد عبر عنه الدهرية بقولهم «ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع» وعبر عنه الملاحدة المعاصرون بقولهم: «لا إله والحياة مادة والدين أفيون الشعوب» وسفه القرآن كلا من الفريقين: فقال: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَايُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ  «24 - الجاثية». و يسمى هذا النوع أيضا كفر إنكار وهو أن يكفر بقلبه ولسانه وجوارحه، فلا القلب اعتقد، ولا اللسان أقر، ولا الجوارح عملت وأطاعت.

2- كفر جحود وهو الاعتقاد بالقلب ورفض الإقرار باللسان وهو اعتقاد إبليس وعمل اليهود مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ  «89 - البقرة».

3- وكفر عناد وهو الاعتقاد بالقلب مع الإقرار باللسان وعدم الدينونة بهحسدا وبغيا ككفر أبي جهل الذي كان يصرح بصدق محمد فيما جاءبه وإنما منعه من أتباعه منافسة بني عبد شمس لبني عبد مناف  الذين منهم رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه.

4- وكفر نفاق وهو الإقرار باللسان والعمل بالجوارح في ظاهر الأمر والكفر بالقلب وهو دين المنافين الذين يتزعمهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو شر المنازل وأسوأها عند الله ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِوَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ «145 - النساء».

 

«والمنافقين»: النفاق: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وأصله من النفق وهو السرب في باطن الأرض، والنافقاء: حجر انصب واليربوع ويقال: نافق اليربوع: إذا دخل من النافقاء وخرج من القاصعاءفأنت تراه حين الدخول فإذا طلبته حيث رأيته فقدته، لأنه أوهمك أنه باق وهو خارج من حيث لا ترى، وذلك هو عمل المنافق يدخل في الإسلام بلسانه وبظاهر عمله، ويخرج منه بنفي اعتقاده في قلبه. والنفاق بمعناه الاصطلاحي وهو إظهار الإيمان وإضمار الكفر، اسم إسلامي لم تعرفه العرب بهذا المعنى المخصوص به، وإن كان استعماله بالمعنى المقارب والنفاق ينقسم إلى قسمين اعتقادي وعملي، فمن أضمرهما اعتقادا، حاقت به اللعنة، وخرج من الملة، وخلد في النار. وأما من عمل عمل الكافر والمنافق دون أن يعتقد الكفر أو النفاق فإنه يوصف بهما، فيقال «كافر» و «منافق» ولا تطبق عليه أحكامهما ويعتبر من عصاة الموحدين أهل القبلة.

«وكيلا»: الحافظ والضامن والكفيل والمتكفل بأرزاق العباد،والذي يتوكل عليه ويركن إليه، والذي يلجأ إليه في الملمات ويفوض إليه في الخطوب المدلهمات، كل ذلك من معاني الوكيل، وفي محكم الكتاب ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾«58 - الفرقان» ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ «3 - الطلاق».

«تظهرون» كان العرب يستعملون الظهار في جاهليتهم ويقصدون به إلحاق نسائهم بأمهاتهم في التحريم المؤبد فإذا قال لزوجته «لا أنت علي كظهر أمي» حرمت عليه تحريما مؤبدا، فأوقعهم هذا العرف في حرج شديد، وبلاء عظيم، فلما جاء الله بالإسلام، عدل هذا العرف، واعتبر الظهار منكرا من القول وزورا، وجعل له كفارة، ترفع حكمه، وتدرأ إثمه، وأما أصل الكلمة الاشتقاقي فمأخوذ من الظهر، لأنه موضع الركوب فكأنه قال: ركوبك للنكاح علي حرام كركوب أمي للنكاح فأقام الظهر مقام الركوب، وهو من لطيف الكنايات.

«أدعياءكم» الدعي الذي تدعوه إبنا لك وليس من صلبك، والدعي المنسوب إلى غير أبيه (ص5)، وفرق ابن شميل بينهما بأن الدعوة بالكسر في النسب والدعوة بالفتح في الطعام، وما أحسن قول بعضهم:

دعي القـوم ينـصـر مـدعيه           ليلحقه بذي النسب الصميم

أبي  الإسلام  لا  أب  لي  سواه            إذا افتخروا بقيس  أو تميـم

«أقسط»: مادة القسط والقسطاس تدور حول معاني العدل والوزن الحق غير أن الرباعي منه «أقسط» يعني عدل، واسم الفاعل «مقسط» عادل، والثلاثي منه قسط يعني: جار وظلم، ومن الأول ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  ومن الثاني: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ «15 - الجن »والقسط: العدل. ومنه قول الحق سبحانه ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ «9 - الرحمان».

«ومواليكم» وللمولى في العربية معان متعددة تقول للناصر مولى وللحليف مولى وللصديق مولى، وللسيد مولى، وللعبد مولى، وفي التنزيل ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَىالَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ «11 - محمد » وفي الحديث «مولى القوم منهم وابن أخت القوم منهم» أخرجه أبو داود.

«غفورا» صفة مبالغة وتعني أنه سبحانه عظيم العفو والمغفرة للمذنبين من عباده. قال جل شأنه: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ «82 - طه».

«رحيما» وهي أيضا صيغة مبالغة وتعني أنه سبحانه يشمل برحمته كل مخلوقاته وإن كانوا في الاستفادة منها متفاوتين ومن عظيم رحمته رفعه للحرج عن المخطئين.

البيان العام لمعنى النص:

التأمل المنطقي في هذا النص القرآني يخلص بنا إلى أن هناك قضية لها مقدمة وخاتمة، أما المقدمة فجاءت مصدرة بخطاب صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأسلوب التكريم والتشريف فهو كما في كثير من المواضيع الأخرى في هذا التنزيل لم يناد باسمه المجرد كما نودي موسى وعيسى ونوح وإنما خوطب بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  وهو أدب القرآن مع مقام صاحب الرسالة الخاتمة في  غالب الأمر ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاأَحَلَّ اللَّهُ لَكَ  ولم يخاطب باسمه المجرد إلا في مقام الإخبار والإعلام بأنه رسول الله ﴿  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ   ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّرَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ  وإذا خرج الأسلوب عن مقام الإخبار عاد شأنه مع صاحب الرسالة كما كان في التنويه والتعظيم، تأمل في ذلك ما يلي ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَاالْقُرْآنَ مَهْجُورًا   ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ   ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ  ﴿ إِنَّ اللَّهَوَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ  ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمَااتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ  وبعد هذا الخطاب  المؤدب تضمنت المقدمة نهيا واحدا يعين على تنفيذه ثلاثة أوامر أما النهي فعن طاعة الكافرين والمنافقين وأما الأوامر في تقوى الله، واتباع ما أوحي إليه، ولزوم التوكل على الله والتفويض إليه. أما الأمر بالتقوى فواضح أن المقصود به المزيد من الثبات على هدى الله والتزود من العبادة بالقدر الذي يكفي لتحمل تبعات الرسالة ومواجهة عقبات الدعوة أو كما يقول شهيد الدعوة الإسلامية ومفخرة علماء المسلمين. في العصر الحاضر الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه: «ومن ثم كان التوجيه الأول في السورة التي تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين بتشريعات وأوضاع جديدة هو التوجيه إلى تقوى الله وكان القول موجها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القائم على تلك التشريعات والتنظيمات ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِاللَّهَ ﴾ فتقوى الله والشعور برقابته واستشعار جلاله هي القاعدة الأولى وهي الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ وهي التي يناط بها كل تكليف في الإسلام وكل توجيه».

وإذا قلت: فهذا الأمر بالتقوى قد عرفنا حكمته، فما فائدة نهي الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن طاعة الكافرين والمنافقين وهو أعلم الناس بهم وبالتواء نفوسهم وضلال قلوبهم؟؟ فالجواب أنه قد مر بك في استعراض أسباب النزول ما يهدي قلبك إلى ذلك، فقد كان حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إيمان الناس عظيما وقد كان يحيط به في المدينة كبراء أهل الكتاب من  اليهود، وزعماء الأوس والخزرج، وقد لبس بعضهم ثوب الإسلام نفاقا، بالإضافة إلى  من يفد عليه من مشركي الجزيرة قريش وغيرها، وكان يضطر إلى إلانة القول لهم طمعا في إسلامهم أو تأليفا لقلوب من أظهر الإسلام منهم، وقد يقترح بعضهم ما لا مطمع فيه مما يتنافى وأصل الإسلام كما قال أبو سفيان وعكرمة وأبو الأعور السلمي: « ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزة ومناة، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك».

وما فهمناه هنا وحاولنا إفهامك إياه، أيها القارئ الكريم – هو الذي عبر عنه شهيد الدعوة في ظلاله إذ قال: « وتقديم هذا النهي على الأمر باتباع وحي الله يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين إطلاقا (ص 7)، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة، ليبقى منهجهم خالصا لله غير مشوب. بتوجيه من سواه، ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة، كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف، فإن الله هو العليم الحكيم، وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  وما عند البشر إلا قشور وإلا قليل».

وإذ فرغنا من تعليل التوجيه الثاني وهو النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، وبيان الداعي إليه وما تضمنه من حكمة، حال نزول (ص 8) الكافرين والمنافقين يعملون لإضلال المسلمين وصدهم عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وما بلاء المسلمين في العصر الحاضر، إلا في طاعة اليهود والنصارى واتباع أهوائهم وتشريعاتهم ومناهجهم وتقليد أعرافهم وهيئاتهم وسمتهم والافتتان بفنونهم وأنماط حياتهم، وإذا أدركنا ذلك فكيف الخلاص؟ وأين المفر؟ إنه في التمسك بأهداب التوجيه الثالث في مطلع هذه السورة: ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  وهليعصم من فتنة المضلين، وإغواء الكافرين، وتحريف الغالين، إلا اتباع ما أوحى بهالله إلى رسوله، فما عنده شرع، وما عند الناس أهواء وتخرصات وظنون، وهل يقدم ما عند الناس على ما عند الله إلا المجانين، ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِفَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ  «18 - الجاثية ». ولذلك قال العلامة القرطبي: «﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  يعني القرآن، وفيه  زجر عناتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص والخطاب له ولأمته».

وإذا كان المشركون والمنافقون قد أكثروا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، باقتراحاتهم، وعرض آرائهم ومساوماتهم لتعديل بعض ما جاء به والتخلي عن البعض الآخر مما تسبب في نهي الله إياه عن طاعتهم والميل إلى أهوائهم  فإن التوجيه الرابع هو العلاج الحاسم، والقول الفصل في القضية ويتلخص معناه في الإعراض المطلق عن الكافرين المعاندين، ومرضى القلوب  من النافقين المذبذبين، ونبذ آرائهم وتخرصاتهم جملة وتفصيلا، وعدم الاكتراث بالأمرين معا، مكرهم ودسهم أو مؤازرتهم وتأييدهم، واللجوء إلى الله رب العالمين ومطلق التفويض إليه فإن لديه الحكمة البالغة، والعلم النافذ يصرف الأمر وفق إرادته ومشيئته ﴿ وَتَوَكَّلْعَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً  وحين يتشبع القلب والفكر بهذا التوجيه ويمتلئ الكيان البشري منه اقتناعا وطمأنينة وبرد يقين، فإنه لا يعبأ – أبدا – بكيد الكائدين وعدوان الطاغين، وإنما يواجه كل ذلك في صمود، ولسان حاله ومقاله ويردد ما قصه الله تعالى عن الرعيل الأول حين ينتفش الباطل مبرزا قواه يبتغي حربهم ويلوح بالقضاء عليهم ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْفَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  «173 - آل عمران ».

والتوجيهات الأربع السابقة هي زاد الطريق، والطاقات اللازمة لكل سالك سبيل المؤمنين في الدعوة إلى الله، والنهوض بأمانه البلاغ يقول شهيد الإسلام في نفتاتروحه، وبنات فكره تحت ظلال القرآن: «وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله، واتباعوحيه، والتوكل عليه مع مخالفة الكافرين والمنافقين هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص من الله وإلى الله، وعلى الله وكفى بالله وكيلا».

وقد شكلت القواعد الأربع المتحدث عنها آنفا مقدمة هامة في مطلع هذه السورة كما مر بك قريبا أما لب الموضوع وجوهره في هذا المطلع، فهو ثلاث دعاوى جاهلية أبطلها الإسلام، وهي أعراف جاهلية، كانت ترقى عند البعض وتسمو فوق درجة اليقين، وهي اعتبار كل ألمعي ذكي حافظ ذا قلبين، ولولا ذلك لم يكن في طوقه استيعاب كل ما وعى، واعتبار الزوجة كالأم في تأبيد التحريم حين يظاهر منها، واعتبار الأدعياء المستحقين بالتبني كأولاد الصلب لهم الحرمة والحقوق ذاتها التي للأبناء الشرعيين. وقد نفى القرآن كل هذه الدعاوى واعتبر القول بها لغوا  لا يعبأ به، وادعاء لا سند له ولا دليل عليه يقول رب العزة سبحانه: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُلِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَاجَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيالسَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)  «4-5 الأحزاب».

قال الحافظ بن كثير: «موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا معروفا حسيا وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي، أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا لرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له» وقال ابن كثير أيضا في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ:« يعني تبنيكم لهم لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من  صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان» وهذا رأي ابن كثير يرى أن نفي كون إنسان بقلبين إنما سبق تمثيلا  ليؤسس عليه نفي إلحاق الزوجة بالأم في التحريم، وإبطال التبني على العرف الجاهلي، وقد مر بك في أسباب النزول أن القضية الأولى وهي اعتبار الألمعي الواعي ذا قلبين عرف جاهلي ثالث يريد القرآن إبطاله، وليس مسوقا لمجرد التمثيل كما يحلو للحافظ ابن كثير، وقد كان من بين الموسومين بذلك جميل بن معمر الفهري، وقصته مع أبي سفيان بعد غزوة بدر معروفة مشهورة وفيه قول الشاعر:

وكيف ثوائي المدينة بعدما          قضى وطرا منها جميل ابن معمر

والذي ذهبنا إليه في هذه المسألة هو اختيار العلامة القرطبي في تفسيره، فقد قال: «ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت».

وقد ذهب العلماء في تعليل نفي هذه الدعاوي مذاهب شتى، وغاص العلامة الزمخشري فحل المفسرين في اللغة على الحكمة في ذلك فأبرز التناقض الحاصل باعتقاده، واخترنا لك من كلامه هذا المقطع: «والمعنى أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثلما يفعل الآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة، غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا، في حالة واحدة. لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له، لأن الأم مخدومة، مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان، وأن يكونه الرجل الواحد دعيا لرجل، وابنا له، لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيلا. » فلله دره ما أجزل عبارته وأعظم غوره، لكن الأستاذ سيد قطب رحمه الله، ينحو نحوا آخر ليضرب التصور الجاهلي الحديث ويهدم الفلسفات المادية الجدلية، والمناهج الليبرالية الغربية فإنما للإنسان قلب واحد، لا يسع إلا منهج الله أو قانون البشر وفلسفته، يقول رحمه الله: «إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه، ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم،و يقوم به الأحداث والأشياء، وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين، ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع، فهذا الخليط لا يكون إنسانا له قلب، إنما يكون مزقا وأشلاء ليس لها قوام». وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَمِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ نفي لما كان شائعا بين عرب الجاهلية من تحريم الزوجة بالمظاهرة منها وذلك بقول أحدهم لامرأته «أنت علي كظهر أمي» فتحرم عليه تحريما مؤبدا، ويضارها بذلك فتبقى معلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فلما جاء الله بالإسلام بقي هذا العرف الجاهلي ساري المفعول إلى العهد المدني للدعوة حين ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثغلبة فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: يا رسول الله، إن أوسا أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا محرمة عليه، فجادلت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ورددت قولها وأكثرت من الشكوى فأنزل الله كفارة الظهار في أوائل المجادلة، فأبطل التحريم وجعل الظهار طلاقا ينتهي أمده إلى الكفارة، فإذا كفر راجع زوجته: وهي معضلة عسيرة أوقعت الناس في حرج شديد، نسخ الإسلام حكمها وجعل لها فرجا ومخرجا، قال تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَالَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَيُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْتُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنقَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)   «المجادلة 1-2-3-4» فلله الحمد والمنة، على ما له من الفضل والنعمة، يرفع الآصار والأغلال عن خير أمة.

وأما قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  فقد أجمع أهل التفسير على أنه نزل في زيد بن حارثة، وقد روى الأئمة في الصحيح عن ابن عمر رضي الله  عنهما أنه قال: «ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ ادْعُوهُمْلآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ  وإليك قصة زيد بن حارثة بشيء من  التفصيل، سأل الناس أخاه جبلة فقالوا أنت أكبر أم زيد، فقال: زيد أكبر مني وأنا ولدت قبله – وهذا من بديع الأدب – كانت أمنا امرأة من طيء فمات أبونا وبقينا في حجر جدي فجاء عماي فقالا لجدي نحن أحق بابن أخينا منك فقال ما عندنا خير لهما، فأبيا، فقال: خذا جبلة ودعا زيدا فانطلقا بي فجاءت خيل من تهامة فأصابت زيدا، فتراقى به الأمر إلى أن ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فاشتراه فوهبه لعمته خديجة فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبت بنبوغه وخلقه فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة، فأوحشه أبوه حتى كان يدور بالشام وينشد.

بـكيت عـلى زيد ولم أدر مـا فعل      أحي فيرجى أم أتى دونه الأجـل

فوالله مـا أدري وإني لسـائـــل               أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل

فيا ليت شـعري هل لك الدهر أوبة                فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل

تذكر فيه الشمس عند طلـوعــها                وتعرض ذكراه إذا غربها أفـــل

فإن هبت الأرواح هيجن ذكـــره               فيا طول ما حزني عليه وما وجـل

سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا                ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبـل

حـياتي أو تأتي عــلي مـيـتـي                فكل امرئ فإن وإن غره الأمــل

فأخبر أنه بمكة فجاء صحبة أخيه يرغبان في فدائه بالمال فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل المبعث: «خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» فاختار الرق مع رسول الله على حريته وقومه فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك «يا معشر قريش اشهدوا انه ابني يرثني وأرثه، وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا».

منزلة زيد: قال القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز غزا زيد، أعطاه سلاحه، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم يوما – مرجلان فأعطاه أحدهما وأعطى عليا الآخر. وقتل زيد بغزوة مؤتة بأرض الشام سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: الراية لزيد فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل نعي زيد وجعفر بكى وقال: "أخواي ومؤنساي ومحدثاي، ذكره القرطبي في «جامع البيان لأحكام القرآن».

 

 

         مجلة الفرقان العدد 11 / السنة الرابعة / (محرم - صفر) 1408