تقديم لكتاب الكبائر بقلم الشيخ محمد زحل

 

الحمد لله رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين، و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين و إمام المرسلين، و على آله و صحابته أجمعين و التابعين و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين و آل كل و سائر الصالحين،  و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تحيي موات قلوبنا، و تزيح الغشاوة عن بصائرنا و أبصارنا، حتى نستبين الحق بين ظلم الشبهات، و سطوة الشهوات و رين الآثام و الزلات، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله شهادة عبد عقد العزم على المحافظة على توحيد الإتباع، و نبذ ضلالات الأهواء و الابتداع.

أما بعد:

فإن من بين الشبان الذين قرت بهم أعين الصالحين و العلماء العاملين، و ازدانت بهم مجالس العلم و أندية الثقافة في هذا البلد الطيب الأستاذ الشيخ الحسين آيت سعيد خريج كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الذي انتزع إعجاب أهل العلم و لفت أنظارهم برسالته القيمة [تنبيه الوسنان، إلى معرفة حكم لبس الذهب و الفضة للرجال و النسوان] و قد أجمع كل معارفه من طلاب العلم و رجاله ممن تجردوا من داء الخصومة و الحسد على طيب عنصره و سمو خلقه و نقاء معدنه و علو كعبه في علوم الحديث و الفقه و الأصول و مشاركته في فنون اللغة و الأدب و القراءات، وأثنى عليه و شهد له من هؤلاء ناس يضنون بالثناء على مستحقيه، و نظرا لما يتحلى به من نشاط و ما تطفح به نفسه من حب للبحث و صبر عليه، فقد اقترحت عليه أن يحلي كتاب الكبائر للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، معجزةعلماء الإسلام، و خيرة العلماء الأعلام، بعقد من التخريجات الجياد، تعين قراءه على تبين الرشد و السداد، حتى لا يضلوا بعزو الكذب إلى خير العباد، خاصة و الكتاب المذكور لقي قبولا عظيما بين قراء المسلمين، على اختلاف مشاربهم و نزعاتهم و منازلهم في العلم و الدين، و رواجا كبيرا بين معتقلي المنابر من الخطباء و الوعاظ و المرشدين، و أكثرهم يجزم بكل ما فيه، من غير سؤال و لا تثبت، اعتمادا على شهرة مؤلفه، و مكانته البارزة بين فحول الحديث و نقاده، و الخبراء برجاله و متونه و علله. وكنت شاكا في نسبة الكتاب للحافظ الذهبي لشدة تساهله فيه و حشوه بكثير من الأخبار الضعيفة، و الآثار الموضوعة حتى رأيت الحافظ ابن كثير -وهو تلميذ الذهبي و قرينه في التلقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه- يختم تفسير الآية الكريمة من سورة النساء: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْسَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء:31]. بقوله: «و قد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو  عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة».

فتبين لي أني كنت على خطإ في شكي في هذه النسبة «و أن الظن لا يغني من الحق شيئا».

و ما إن استمع الأستاذ الحسين إلى اقتراحي حتى أعرب عن الاستعداد للعمل و خف مسرعا إلى مباشرة الشروع في البحث و التنقيب، و لم يمض غير يسير من الزمن حتى أحضر إلي البحث جاهزا، فراجعته و وقع مني موقع الرضى و القبول الحسن، فالحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.

و كنت أحشى أن يصد الأستاذ الحسين عن هذا الإنجاز الطيب ما يعلمه في كثير من القراء المغاربة من استهانة بالكتابات المغربية و زعم أن محاولة منافسة أعلام الشرق ضرب من العبث، و لا شك أن الشرق مطلع النور و منبع الهدى، و لئن امتاز إخوتنا الشرقيون بوفرة الإنتاج و شموله و تنوعه، فإن الإنتاج المغربي على ندرته يمتاز بالعمق و الإبداع، فلا ينبغي أن تهجس صدورنا بمثل وساوس ابن حزم رحمه الله حين بخسه معاصروه حقه و حملوه على أن يرفع عقيرته بشكاته صائحا:

إنا الشمس في جو العلوم منيرة   ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

فلئن كانت المعاصرة تمنع المناصرة، فإن الأجيال التي جاءت بعد عصر ابن حزم، عرفت للرجل حقه و بوأته من المنازل ما يستحق، وكان التلاقح و التكامل في مجال الثقافة و المعرفة بين شرق بلاد الإسلام و غربها يؤدي إلى التأصيل و الإبداع في حضارة الإسلام سواء في ذلك اللغة و الأدب و الفقه و الحديث و التفسير و الأصول و علوم القراآت و الرياضيات و علوم الفلك و الطب و الفلسفة و غيرها، و على سبيل المثال لا يذكر في الشرق ابن تيمية و ابن القيم و المزي و ابن دقيق العيد و الذهبي و ابن كثير، إلا و ذكر في الغرب ابن عبد البر و ابن حزم وابن رشد الحفيد، و بقي بن مخلد و الشاطبي و القرطبي و ابن عطية وأبو حيان صاحب البحر المحيط و غير هؤلاء و أولئك. و انحسار المد الثقافي العربي الإسلامي في المغرب في هذا العصر بسبب الغزو الاستعماري و رواسيه و آثاره و مخلفاته شبيه بنظيره في الشرق فعلينا-إذن- أن نتخلص من الوسواس والعقد، وأن نعود بالوحدة الثقافية بين جناحي العالم الإسلامي إلى سالف مجدها و غابر عزها و إلا يبطر بعضنا بعضا حقه و يغمطه إياه على غرار ما حدث حين تسلم بعض أدباء الشرق نسخة من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، فلما نظر فيه قال: «هذه بضاعتنا ردت إلينا».

و لا يفوتني هنا-والدر يستخرج من معدنه، و الفضل ينسب لذويه- أن أنوه بالشاب الصالح، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا، السيد محمد بنيس الذي ما إن عرضنا عليه فكرة طبع هذا التخرج مع طبعة جديدة لكتاب «الكبائر» و عرفته بالأستاذ «الحسين آيت سعيد» و مكانته العلمية، حتى وافق عليها و تحمس لها و اعتبرها بادرة طيبة و رجا أن يكون لها أخوات من بقية الإخوة المؤهلين الأكفاء في مختلف التخصصات التي تخدم ثقافة الإسلام و حضارته، و اقتداء بأسلافنا العلماء الذين لم يكونوا يغفلون عن أن يسلموا ما بدلوا فيه جهدا سواء أكان اختياريا أو تعليقا أو حاشية أو تخريجا مهما يكن له من قيمة كبرت أم صغرت، فإنني أقترح على الأستاذ «الحسين بن سعيد» أن يسمي هذا التخريج «تنوير البصائر، بتخريج أحاديث الكبائر». و أسأل الله لي و له مزيدا من التوفيق، و الإستقامة على أهدى سبيل، و أقوم طريق، سبيل المؤمنين، و صراط رب العالمين.

 

كلمة عن الكبائر

 

جمهور العلماء على أن الذنوب صغائر و كبائر، و يشهد  لما هم عليه من صواب دلائل الكتاب والسنة، فقد وعد ربنا عباده-وعد الصدق- الذي لا يتخلف أن من تحاشى الكبائر و موبقات الذنوب، تجاوز له عن الصغائر و حط عنه أوزارها، فقال جل علاه: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَاتُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾[النساء:31].

وقال رب العزة تبارك اسمه في معرض الثناء و الامتنان على الذين آمنوا ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾[الشورى:37].

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُالْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:31].

و كما دل ظاهر القرآن على مذهب أهل الحق في تصنيف الآثام إلى صغائر و كبائر، فإن السنة النبوية حافلة، أيضا بما  يقوي ذلك، و يؤصل الاقتناع به في القلوب، كحديث أبي هريرة في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، و ما هن؟ قال «الشرك بالله، و السحر، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا و أكل مال اليتيم. و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» و في الصحيحين أيضا: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله و عقوق الوالدين»، و كان متكئا فجلس، فقال: «ألا و قول الزور، ألا و شهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت».

و في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الصلوات الخمس و الجمعة إلى الجمعة، و رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

و أما من أنكر هذا التصنيف، فقد حمله على ذلك الورع خشية أن يستهين الناس بأمر الله، فجلال الله عظيم، و شأنه كبير و لا ينبغي أن يستصغر المؤمن شيئا من المخالفات، و لقد صاح أنس بن مالك رضي الله عنه –كما في البخاري- في وجه قوم هانت عليهم سيئاتهم «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم من الكبائر» و لا سبيل إلى إنكار ما دلت عليه النصوص و إما الاستهانة المقرونة بعدم التحرج، المجرئة على المخالفة دون استشعار الإثم فتلك درجة الاستحلال التي تؤدي إلى الكفر و العياذ بالله، و أما التفاوت فهو حقيقة في صغائر الإثم و كبائره، فليست الغمزة كالتفخذ، و لا الزنى بحليلة الجار كالزنى بالأجنبية، و لا يستوي بين قتل جرادة، و إزهاق نسمة بشرية إلا من حرم نعمة العقل، و فقد حاسة التمييز.

و مادة «ك.ب.ر» تدور حيثما وردت في القرآن حول معنى التعاظم و التفاحش و الأمر الذي لا يطاق، تأمل ذلك في القرآن الكريم تجده مطردا لا يكاد يتخلف، سيما إذا كان التعبير بالفعل، و دونك ما يلي على سبيل المثال:

قوله سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِاسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُمبِآيَةٍ﴾  [الأنعام:35].

و قوله سبحانه: ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس:81].

و قوله جلت قدرته: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[غافر:35].

وقوله عز اسمه: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾[الشورى:13].

و قوله عظم شأنه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾[الصف:3].

و قوله تعالت حكمته: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَإِلاَّ كَذِبًا﴾ [الكهف:5].

و قوله تقدست أسماؤه: ﴿قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّايَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:51].

و قوله تنزه في عليائه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَلِلّهِ﴾ [يوسف:31].

و قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:11].

و قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح:22].

و قوله في عظم أمر الصلاة و ثقلها على النفس: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَىالْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:45].

﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:143].

و قوله: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:53].

و قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّكُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة:121].

و قوله: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾[الكهف:49].

لا غلو ولا تفريط:

و على شباب الإسلام أن يتثبتوا في معرفة الحق و يعتدلوا فيه اعتدال السلف، و لا يتنطعوا و ينحرفوا انحراف الغالين من الخوارج و نظرائهم الذين كفروا الناس بكبائر الذنوب، و ألا يستبيحوا الحرمات و يستهتروا بالمعاصي بدعوى أن الإيمان في القلب و أن الأعمال ليست منه، و أنه لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، كما هو مذهب المرجئة و ليعلم كلا الفقيرين من الغلاة أهل التفكير، و المستهترين أهل التقصير، أن لهم سلف شر ينتهون إليه، و قدوة ضلالة يمتون إليها بأقوى الصلات فالمرجئة أصل هؤلاء، و الخروج قدوة أولائك، و من التبس عليه الأمر في القضية فغليه بدراسة الإيمان في أمهات كتب الحديث خاصة صحيح الإمام مسلم مع شرحه للعلامة محيي الدين النووي.

و لا يحكم إلا بكفر المرتد الذي ترك دينه أو بدله، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن و صحيح السنة، أو ارتكب المحرم مستحلا له. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: و اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، و لا يكفر أهل الأهواء و البدع، و أن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته و كفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة و نحوه ممن يخفي عليه فيعرف ذلك فإن استمر حكم بكفره و كذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات.(مسلم بشرح النووي ج1ص150).

و أما ما أوهم خلاف هذا من النصوص التي ظاهرها تكفير أهل المعاصي أو نفي الإيمان عنهم، فمؤول، بما تدل قواعد الشرع و نصوصه الأخرى أنه مراد، فقوله صلى الله عليه و سلم مثلا: «ليس منا من ضرب الخدود و شق الجيوب و دعا بدعوى الجاهلية» معنى ذلك: ليس على هدينا و سنتنا، و ليس المراد إخراجه من الملة، و كذلك قوله صلوات الله و سلامه عليه «من حمل علينا السلاح فليس منا، و من غشنا فليس منا» كما في صحيح مسلم، فكيف يفهم منه إخراج من حارب إخوانه المسلمين متأولا أن الحق إلى جانبه  مع قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَالْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فقد سماهم مؤمنين و هم  يقتتلون، و أمر بالإصلاح بينهم و قتال الفئة الباغية المتجبرة التي ترفض الصلح و حقن دماء المسلمين و قوله صلى الله عليه و سلم «من أتى ساحرا أو كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى حائضا أو امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد أو كفر بما أنزل على محمد» و هو حديث صحيح، فليس المراد من هذا أنه يخرج من الملة و يخلد في النار، شأن الكفار، و إنما المراد أنه عمل عمل الكفار فشبه بهم في سوء صنيعهم، إذا لم يعتقد حل ذلك فإن اعتقده فهو كافر لا تردد في الحكم عليه بالكفر.

ألم تر أن الله تعالى قال عن آدم و حواء لما وهب لهما الولد ﴿فَلَمَّاآتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ و إنما أراد أنهما سميا ولدهما عبد الحارث، قال الإمام أبو عبيد «فهل  لأحد يعرف الله و دينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة و المكانة» فقد سمى فعلهما شركا تنفيرا منه و إشعارا بشناعته.

و خلاصة الأمر أن هناك نوعين من الكفر و الشرك، كفرا و شركا في الاعتقاد و هما يخرجان من الملة، و كفرا و شركا بالعمل و هما من الكبائر و يكفران بالهجرة و الجهاد و الحج و العمرة و القتل في سبيل الله و التوبة أو بالعفو و الصفح من الله أرحم الراحمين.

و مجمل الأمر أننا نرجو الخلاص من النار لمن مات على التوحيد مهما قصر في الطاعات أو أسرف على نفسه  في المعاصي، كما نجزم بدخول النار و الخلود فيها للكافر و المشرك اللذين ماتا على ذلك و إن بلغا الغاية في بذل المبررات و منح الصدقات.

و هذا مذهب الفرقة الناجية، و هو الذي نعتقده و ندين لله به، قال الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم بين يدي حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «من مات و هو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة».  

«و اعلم أن مذهب أهل السنة و ما عليه أهل الحق من السلف و الخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فإن كان سالما من المعاصي كالصغير و المجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، و التائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصيته بعد توبته، و الموفق الذي لم يبتل بمعية أصلا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة و لا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود، و الصحيح أن المراد به المرور على الصراط و هو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها و من سائر المكروه. و أما من كانت له معصية كبيرة و مات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى، فإن عفا عنه و أدخله الجنة أولا و جعله كالقسم الأول، و إن شاء عذبه القدر الذي يريده سبحانه و تعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، و لو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة لأحد مات على الكفر و لو عمل من أعمال البر ما عمل. هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في المسألة، و قد تظاهرت أدلة الكتاب و السنة و اجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة و تواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب و غيره فإذا ورد حديث في ظاهرة مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع». انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.ج1ص217.

و قوله: «لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود» يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾الآية:71 مريم، و تفسيرها على القول الصحيح أنه العبور على جسر الصراط المنصوب على جهنم نعوذ بالله منها و من كل عمل يدل عليها و يؤدي إليها.

وسبحانك اللهم و بحمدك استغفرك و أتوب إليك، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. و كتبه الفقير إلى عفو الله الشيخ محمد زحل، أدام الله عليه نعمة التقى، و ختم له بالحسنى، في يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني لعام 1407 من هجرة المصطفى. الموافق لسادس عشر دجنبر 1986م.