آثاره : زاول التأليف في شتى المجالات و حرر الفتاوى، و حبر القصائد، ووشح الرسائل بضلاعة الفقيه، و براعة الكاتب، و إشراقة الأديب.

         و من بنات قلمه هذه المرثية التي رثى بها والده، و قد مهد لها بهذه الديباجة:

« سَقَتك الغوادي » عنوان قصيدة أهديتها إلى روح والدي في ذكرى وفاته الرابعة التي حلت في 28 يوليوز 1970م و كان طيب الله ثراه و نور ضريحه قد لبى داعي ربه و أسلم روحه في 28 يوليوز 1966م و هذه القصيدة المتواضعة أول تجربة لي في موضوع الرثاء، إذ لم يسبق لي أن عالجت هذا الموضوع، فلا عجب إذا لوحظ فيها بعض النقص من ناحية الشكل، أما ناحية الموضوع فإني أعترف أنها تكاد تخلو من حرارة اللوعة و الحزن، و ذلك ناتج عن مرور أربع سنوات، و هي كافية لإخماد جذوة الحزن مهما اشتدت حرارتها و ذلك علاوة على أني التزمت فيها لهجة الصدق و ابتعدت عن المبالغة التي تؤدي إلى الكذب، و هذا كاف لأن يحمل بعض النقاد على الحكم بفشل تجربتي في الرثاء استمساكا بمذهب "أعذب الشعر أكذبه" و إليكم القصيدة:

سقتك الغوادي أبا الحســـن           فقد فزت بالعفو و المـنن

فكم من ليال قد أحييتهـــا          بذكر الإلــه و بالفطن

تؤدي فروضك في  وقتهـــا         و لم تله قط عن السنـن

سموت بعقلـك عن معشــر          قلوبهم عرضة الوهــن

هجرت الخنى وطرحت  المنـى          و لم تستطب لذة الوسن

تهون عليك خطوب الزمــان          و لم تك تعبـأ بالمحـن

وكنت امرءا لا يبالي  بــأن           يعرضه الحـق   للفتـن

تهاب و لست بذي ســطوة           كأن التقى صولة الزمـن

ذكرتك فانفطرت  كبــدي           و أسبلت دمعي على ذقني

فمعذرة يا أبــي إننـــي           طويت ضلوعي على حزني

سكت طويلا فلم  أرثكــم            و قصرت عن واجب المنن

سأبكيك ما لهجت  ألســن            و ما حشرج الروح في بدني

أشيخ تيـلوى و   مقرئهــا            و خير إمام هـدى فطــن

لينعـم فـؤادك في بــرزخ            و يبـهج فـؤادك في عدن

فإن " تيـلوى"  و أبناءهــا            يصونـون ود أبـى الحسن

فكم ذكروك و أثنوا علـى        صفات تقـى رضى مؤمن  

وله أيضا في مدح خير البرية محمد صلى الله عليه و سلم عام 1395هـ ما نصه:

دع التاريخ يرو الحادثـات            و يكشف عن خبايا المغلقات

وقل للبيد بيد العرب مـاذا           أصاب الشرك في كل الجهات

غداة أطل في العلياء نجـم            فأعشـى نـور تلك النيـرات

وساد الكون إصغاء وهمس           و بشرت الهواتـف معلنـات

بمولد خير أهل الأرض طرا          و رحمة ربنـا للكائنـــات

فسبحت الملائك في علاهـا          و خرت للمـهيمن ســاجدات

وغردت الحمائم صادحـات          و أنشدت البلابـل مادحــات

وأطرقت العوالم في جلال           و دانـت للعلـى مسبحــات

وذل الشرك وانجابت غيوم           و هرولت الأبالـس فازعـات

كذاك الشمس تشرق في ضياء        فتنقشـع الديـاجى زائـلات

ووافى المصطفى والناس عمى       تضج حياتـهـم بالموبقــات

فليس لهم سوى الأهواء شرع        و لا حكـم يديـن المنكـرات

ولا ديـن ينيـر لهم سبيـلا        و لا ناموس يحمى المكرمـات

فساد الظلم و الطغيان فيهـم         و ضجوا من خطوب داهيـات

وراجت بينهم للحمق سوق          فكانـوا في حـروب دائمـات

وخاضوها بلا سبـب مجيز           لدى أهل العقـول الراجحـات

وإن تعجب لأمر من ضلال         فما عجـب سوى وأد البنـات

أليس لهم بربــك أمهـات         و هل يتزوجـون المــاردات

وأسـوأ أمرهـم تقتيـل ولد        إذا افتقـروا إلى كسب اقتيـات

وشب محمد فيهـم أمينــا        كريم الخلق محمـود الصفـات

حصيف الرأي في سمت فريد       قليـل القـول مكثار الصمـات

رضوا تحكيمه في أمر بيت         تطـوف به الجبابـر خاشعـات

وعافت نفسه الأصنام كرها         فلـم يخضع لهـا في النائبـات

ورافـق عمه للشام طفـلا         ففاضـت عنه أنبـاء الثقــات

بأن الراهب المسمى بحيرى         أبـان لعمـه عـن مبـهمـات

و قال احذر عليه بنى يهود          فهـم حرب علـى كـل الهداة

و عاد فشاعت الأنباء أن قد         دنـا زمن الهدايـة و العظـات

و لم يفطـن لســرالله إلا         خديجـة من عفائـف طيبـات

فعينت الأميـن لهـا نقيبـا        يتاجـر فـي مواطـن نائيـات

و حدثها الغلام بمأثــرات        توالـت في خـوارق معجبـات

وعاد لها بأحمال ثقـــال        و أربـاح كثــار باهضــات

ونالت منـه ردا مسـتطابا        و قد بعثـت إليـه بخاطبــات

فكـان له بـها عقد اقتران        تباركـه الملائــك حــامدات

و فارق قومه و الشرك فيهم       أضر على اللبيــب من العـداة

فصـار له بغار حراء أنس        و حــب للتــأمل و الصـلاة

ينـاجى ربه و الليـل داج        و يذكـر بالأصيـل و بالغــداة

إلى أن جـاءه جبريـل فيه       بــآي سـاطعـات محكمــات

و نادى يا محمد أنت نـور       من الرحمـن فـاقرأ في ثبــات

و أخفى أمره في البدء حينا       يسـر إلى الأقــارب و الوعـاة

فأوحى الله أن بشر و أنذر        فبلــغ للغـــلاة و للنفـــاة

و صاح بلمة التوحيد فيهم        و نـزه خالقـا فـرد الصفــات

و له أيضا بمناسبة سفر بعض إخوانه للبقاع المقدسة لأداء فريضة الحج ما نصه:

ما بال قلبك أسرعت دقاته        و تتـابعـت في خفـة نبضاتـه

ما باله أضحى لصدرك جافيا     ضـاقت على سـعة به جنبـاته

ذكرى المناسك فجرت أشواقه    فاشتـد في غمراتـها خفقــاته

لم لا وقد شد الرحيل أحبـة     هبـت من المولـى بهم نسماتـه

ألطاف ربك هيجت أشواقهم      إذ مازجـت أرواحهـم نفحاتـه

لبـت نـداء الله منهـم فتية     حلـت على سـاحاتهم بركاتـه   

ذكرى الخليل بل الأمين تهزهم     حيث استقـرت بالهدى جولاتـه

لله هجرتهم لمكـة مهدهـا      ذا الوحـي حيث تنزلـت آياتـه

يا موكبا عم السرور ركـــابه        و تجـاوبـت في حبـه نغماتـه

يا إخوة في الله يصفو ودهـــم        و توثقـت في حبـه عرواتــه

هبوا لردع الكفر عن  حرماتكـم        كيــلا تلم بسـاحه نقماتـه

ادعوا الشباب إلى الحقيقة واشجبوا        مـا حببتـه إليــهم نزواتــه

غشى البلاد المارقـون  و سمهـم        تسـري إلى أطفالـنا نفثـاتـه

ركب الحجيج رعى الإله مسيركم        و مقامكـم وحمتكـم كلماتـه

أنتم و ديعتنـا لديه و  لا تــزا        ل بعونـه تحميكــم رحماتـه

و له أيضا في الإشادة بجميل فتاة معلمة اقتنعت بتعاليم الإسلام فالتزمت آدابها

و شرائعها، هذه البائية في مجزو الكامل المرفل:

رمت القصيـر مـن الثيــاب       و تجلبـت ترجـو الثواب

نبــذت من التــزيين ألــ      وانا وجـانبت الخضـاب

هتفــت بقلـــب خاشـع      الله أكــبر مـن أثـاب

خضعـت له بــل عفــرت      وجهــا جميـلا بالتراب

وجــها ســـناه كأنــه      بـدر بـدا بـين السحاب

يعشــى تلألــؤه العيــو      ن  وقد تـوارى بالحجاب

و له أيضا هذه الميمية في مقطوع الكامل أشاد فيها بجميل الرعيل الأول من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم، أنشدها في مؤتمر علمي بناحية غرناطة حضره كبار العلماء أمثال الشيخ ناصر الدين الألباني في 7/1972م:

جمع الدعـاة تحيــة و سلامـا     أرجو السماح لكي أقول كلامـا

هلا لهذا الديـن كـان كفـاحنا     لننـال تحت ظلالـه الإكرامـا

أجدادنا العرب الكرام تحـرروا     من ذلـهم إذ طبقـوا الإسلامـا

سادوا البريئــة كلها بعقيـدة      ألقى إليــها العاقلون زمامـا

سنوا المساواة التي لـم يرضهـا     كسرى و قيصر قبل ذاك نظامـا

الروم و الفرس استهانت بالنبي       ء و جللتـه مذمـة و ملامــا

سخروا بسكان الخيام و ما دروا     أن سوف يصليهم لظى وضرامـا

هذي رعاة الشاء دوخ جندهـا     كل البـلاد و تنقـذ الأقوامــا

سـبحان ربـي قلـة آتــاهم    نصـرا و بلغهم منـى ومرامـا

لا تعجبـوا إن العقيـدة قــوة    أصحابهـا لا يرهبون حمامــا

ما زال صيـت  ابن الوليد¹ مجلجـلا    يحيى القلوب و يوقـظ النوامــا

الله أكـبر منجــز ميثاقــه     للمؤمنيـن و رافـع أعلامــا

نصروا الإله و أيـدوا سلطانه      فـأعزهم و حبـاهم الإنعامـا

ملأ الدعاة أبارك السعي الذي       أزمعتمـوه فبـادروا الأيامـا

إن تصدقوا الله الكريـم بنيـة      يجعلكـم للمتقيـن إمـامــا

أو تخدموا السعي الجميل بهمة      يوسـعكم الإكـرام و الإعظامـا

النصر ملك الله يعطيه العبـا       د المخلصين الحافظيـن ذمـامـا

فاستمسكوا بكتابه و استعصموا     برسـولـه تتجنبـوا الأوهامـا

يا رب عونك للدعاة الخاذليـ      ن البدع و الطاغوت و الأصنامـا

و له أيضا هذه الهمزية في بحر الكامل بعث بها إلى المحدث الشيخ محمد

الألباني بعد أن التقاه في مجمع علمي مبارك بمكان يسمى " الفكار" بغرناطة

31 غشت 1972م

أجمل بأيام " الفكر" و جمعـه      و جمال منظره و طيـب هوائـه

قمم الجبال زهت هناك بملتقى      يعلو به للديـن صـوت ندائـه

و مشاعر التوحيد بين أحبـة       لـم يحكـه إلا سلاسـة مائـه

و ترابط في الله بين ضمائر        ما مثلـها إلا صفـاء سـمائـه 

" الله غايتنا " شعـار صادق       تحقيقـه كـاف لنيـل رضائـه

أنعم بأبناء كـرام ساهمـوا        بجـهودهم يبغـون رفع لوائـه

 عزم و حزم ب" الفكار"ترادفا      من إخوة في الدين قصـد بنائـه

___________________________

¹- خالد بن الوليد، لقب بسيف الله المسلول أسلم في أوائل السنة السابعة الهجرية، هو و عمرو بن العاص، و عثمان بن طلحة، و لما حضروا عند النبي صلى الله عليه و سلم قال إن مكة ألقت إلينا أفلاذ أكبادها/ الرحيق المختم ص 411- و ذكر أهل السير أن إسلام خالد هو زواج الرسول صلى الله عليه و سلم بخالته أم سلمةالمخزومية.

 

 

 

 عمل و إيمان و صفو سرائـر       و تعلـق بـالله فـي عليـائـه

 و مجالس للعلم عـز نظيرهـا        فمحـاضر و منـاقش بدهائـه

 إلى أن قال:

و زهـير الشاويش¹ في إتحافـه       بنـوادر قـد سـرنا بذكائـه

جـد و هزل في وقـار نـادر        و لباقـة قد زانـها بحيائـه

شاويش يا رمز الثبـات بمبـدإ       انشـر تراثا عمنـا بضيائـه

بالله يـا شاويش حـي محمـدا       شـيخ الحديث ملوحـا بلوائه

عجبـا له غـوص إلى أعماقه        يهـدي جواهرها إلى أمنائـه

مسـتخرج دررا يعـز وجودها       إلا على من كان من نظرائـه

ما شاهدت عينـاي مثل محمد         في علمه و جهـاده و إبائـه

و حديثه "السحر الحلال" يلذ للأ        ذن اسـتماع منه في إفضائه

فانشر أبـا بكـر فرائـد كتبه         يسهم لك الوهاب من نعمائه

يا ناصر الدين الحبيـب تحية          من شاعر أبدى جميل ثنائـه

و له أيضا هذه البائية في بحر المتقارب، ينوه فيها باسم رجال كرماء من أهل

بلدته و بني جلدته قطنوا بوادي القصب بالصويرة:

خليلَيَّ مرا بـوادي القصـب          و في إكمران² سلا من كتـب

عن المجد و الجد و المأثرات          و حسن الوفاء و فخر النسب

فإن تلممـا بالمقـام السعيـ           د حيث الندى و شريف الحسب

أشـيعا لديـهم بأنـا هنــا          شكـرنا الجميل كما قد وجـب

فللـه قـوم بــهم يقتـدى          فكم من حيـاء و كـم من أدب

حللنـا بدارهــم فانتشـوا          فـأي سـرور و أي طــرب

________________________

¹- هو الذي نشر معظم كتب الشيخ الألباني، بيد أنه تجرد في الأخير عن الأمانة العلمية ،فمد يده بالتصرف في كتب الشيخ بالحذف و الزيادة فثار الشيخ في وجهه و نال منه بالتوبيخ و التقريع، و منعه من النشر.

²- إكمران: اسم مكان بقبيلة" إداو كرض" اتخذه القائد مبارك ندعدي مأوى و عنة لبهائم الأنعام، و اليوم نزل به أخوال الشاعر المترجم لواشجة نسب كانت بينهم و بين القائد مبارك. و بهذا المنزل اقترن المترجم بحليلته و أقام بين أخواله حتى قضى شهر العسل.

 

تـهزهـم الأريحيــة إن           أتـاهم ضيـوف فـأي عجـب

أليسوا بنسل تيـلوى الـذي          يصـون الـوداد بغــير أرب

يهشـون للضيف مبتسمين            فما من عبوس و ما من غضـب

       و للشيخ قصائد رائعة و قطع شعرية رنانة غير هذه رفت عنان القلم عن كتابتها خضوعا لداعية الاختصار، و كفى بالقلادة ما أحاط بالعنق، و بالسوار ما دار بالمعصم، على أن الشيخ ترك نظم الشعر منذ أواخر العقد السابع من العشرين الميلادي كما ترك عمر بن عبد العزيز الخز و الوشي لما تصدر للخلافة.

       و له ثلاثة أولاد: معاذ، و أسامة، و عبد الرحمن، ابتسم لهم الدهر فكانوا في عداد الأساتذة الأكفاء الذين أحرزوا شهادات الكفاءة العلمية من الجامعة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.