بسم الله الرحمن الرحيم، وبه سبحانه أستعين

             عرض علي أخي الفقيه العلامة الأستااذ " محمد الصغيري" الفيلالي السجلماسي، حفظه الله ورعاه، وسدد على نهج السلف الصالح خطاه، المقالات التي كتبها في السيرة الذاتية لوالده، طيب الله ثراه،

ونور ضريحه، وبوأه مقعد صدق عند مليك مقتدر، وكان من أعيان سجلماسة، وعلمائها الأعلام، و

صلحائها، وفضلائها الكرام، الذين نشروا العلوم والمعارف في ربوع ذلك الإقليم، من أقاليم وطننا العزيز،

 

ــــــــــــ

1- شيخنا الفاضل : محمد زحل، أطال الله  عمره في طاعته، وخدمة دينه، هوالعلامة المحقق، والمحدث اللوذعي، والمفسر النبيه، من رجالات الحركة الإسلامية، وعمدها الأوائل، والأب الروحي لها، داعية صادق، ابتلي فصبر، وسجن فاحتسب، ارتبط الالتزام بالإسلام عند جيل من الشباب بالبيضاء باسمه، ونفع الله به القاصي والداني، وصان نفسه من عفونات الدنيا والتكالب على مناصبها، وأخلص لله في دعوته، فرزق الود والقبول، وتربع عرش القلوب محبة وإكبارا، ولد حفظه الله سنة 1363هـ - 1943م وهوالآن يقوم بدروس علمية ووعظية في التفسير والحديث، بالمسجد العتيق بعين الشق، ومقصد الناس في النوازل والفتوى، يؤمه الناس لذلك في مكتبه وبيته وطريقه وهاتفه، وأخيرا

فالشيخ غني عن التعريف، وأشهر من أن يعرف، فهوالشمس في رابعة السماء، ولقمر ليلة البدر،

يذكرني طلوع الشمس صخرا              وأذكره بكل مغيب شمس

وهوالعلم، والعلم لا يحتاج إلى من يعرفه:

إسم يعين المسمى مطلقا                         علمه..............

والكلمات والعبارات، مهما أوتيت من فصاحة وبيان، فهي عاجزة عن الإفصاح عما يختزنه الفؤاد من وفاء وتقدير،

وحسبي أن أتمثل بقول القائل:

 

                             إذا نحن أثنينا عليك بصالــــــح                  فأنت كما نثني وفوق الذي نثني

                             وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه                 لغيرك إنسانا فأنت الذي نعــني                   

 

 

 

 

 

 

 

 

وأناروا السبيل لمعاصريهم، والأجيال التي جاءت بعدهم، وأطروا طلبة العلم هناك، تأطيرا شرعيا عاليا، أهلهم لتحمل مسؤولياتهم، في النهوض بمنطقتهم، وسد حاجاتها، في شتى المجالات، فكان منهم القارئ، والمدرس، والإمام والخطيب، والداعية، والشاهد العدل، والقاضي الضابط، والحاكم، والكاتب والموثق، وغيرهم.

 

 

 

                                            صـلتي بالولـد قبل الوالــد:

 

 

وقد شاء الله أن أتعرف على الولد قبل الوالد، فلقد كان الأستاذ " الصغيري" خطيب المسجد الجامع بمدينة

"يفرن"، التي تعتبر عروس " الأطلس المتوسط "، وأحد أهم المنتجعات والمصايف، في بلادنا

" المغرب الأقصى"، لما اشتهرت به من مياه، وثلوج، وغابات، وبحيرات، مما ميزها بمناخ خاص، وطقس معتدل بارد في أشهر الصيف، الشيء الذي جعل الكثير من الأسر الموسرة والمتوسطة، تؤمها لقضاء عطلة الصيف بها، والاستمتاع بمناظرها الرائعة، ومروجها الساحرة الخلابة، وكان هؤلاء الزوار يؤمون جامع " إفران" في وسط البلد، لأداء صلاة الجمعة والجماعة، فيصادفون دروس الأستاذ

" الصغيري" وخطبه، وكانت دروسا قيمة، وخطبا عصماء، كثيرة النفع والفائدة، مما هيأ للشيخ الشاب، ولدروسه وخطبه ومواعظه، مناخا طيبا، وصدى واسعا، فنالت قبولا حسنا، وانتزعت إعجابا بالغا، ليس في " إفران" فحسب، بل وصل إشعاعها إلى مدن " فاس" و" مكناس" و" القنيطرة" و

" الرباط" و" الدار البيضاء" و" خنيفرة" و" بني ملال" ،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وكان المحسن " الحاج محمد بوكاري" المعروف ب "حيدة"¹ من سكان " الدار البيضاء" الذين يرتادون " إفران" في كل صيف، والذين أعجبوا في الوقت نفسه بدروس الأستاذ " الصغيري" وخطبه ومواعظه، وصدقه في تشبثه بقيمه ومبادئه، وإخلاصه، وجهاده في دعوته، فبنى مسجدا في "حي افريقيا" بمدينة " الدار البيضاء"، سماه "مسجد الإخلاص" واقترح على الأستاذ " الصغيري" أن يتقلد الخطابة فيه، فلم يتردد في شد الرحال إلى " البيضاء" لممارسة مهامه، في أفق أرحب، وميدان أوسع، وبيئة أكثر قابلية للحركة والنشاط، وأكثر انفعالا مع الدعوة والدعاة، وهنا في " البيضاء" تعرفت على الشيخ الشاب، الذي ما إن التقيت به في المرة الأولى ـ وكان ذلك في بيت المرحوم " الحاج محمد بوكاري" ـ حتى توثقت عرى المحبة والألفة بيننا،

وأذكر أني بادرته بهذا السؤال الذي أحرجه بعض الشيء، قائلا :"إذا سمحت ـ يا أستاذ ـ فإني راغب في أن تدلني على بعض مظاهر التشدد الذي بلغني أنك تصمني بها في بعض المجالس"، ـ وكان الأخ

" البوكاري" رحمه الله قد أخبرني بذلك، ـ فارتبك وشعر ببعض الحرج، فجعل يعتذر، فقلت : " لا تثريب عليكم" والأيام ستجعلنا نتعرف على بعضنا أكثر، وما هي إلا أيام حتى استدعانا إلى بيته، وأكرمنا، وزالت الحواجز والغبش الذي حجب عنا الرؤية، فإذا نحن إخوة متحابون مؤتلفون، ولا جرم

 " فإن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"².

اكتشفت في هذا الشيخ الشاب، أدبا عاليا، وخلقا رفيعا، وتواضعا جما، وحبا للعلم وأهله، وأناة وتؤدة، ورفقا وصبرا على المطالعة والبحث، وخفة ونشاطا، وحركية متميزة، استطاع أن يستثمرها في البحث العلمي، والنشاط الدعوي، والتنافس المحمود،

ــــــــــــــ

 

¹- الحاج حيدة توفي رحمة الله عليه سنة 2002 وهومن رجال البر والإحسان، بهذا المغرب العزيز، شارك في بناء عشرات المساجد ودور القرآن الكريم، بكثير من مدن المغرب وقراه، تقبل الله منه وأثابه على ذلك في جنات الخلد

²-  الحديث في البخاري 3336 باب الأرواح جنود مجندة، ومسلم 6876 باب الأرواح جنود مجندة كلاهما من حديث أبي هريرة     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في المجال التجاري والاقتصادي، هذه الخصال الحميدة، وهذا المسلك الفذ الرائع، زادتني تعلقا بالأستاذ

" الصغيري" وأكسبتني إعجابا بشخصيته القوية المؤثرة، فكنت عندما أخلوا إلى نفسي، أتساءل عن

المنبت الطيب، الذي أنتج هذه الثمرة اليانعة، وأقول: لابد أن هناك منهجا تربويا ربانيا شموليا، خرج هذا

النموذج الفريد، وزال عجبي عندما تعرفت على والد الشيخ في بيته، والتقيت به في مناسبات شتى، إذ

وجدته شيخا صالحا، وقورا مهيبا، ذا شخصية مؤثرة، يزينها العلم، ويجملها لباس التقوى، في صرامة و

جد، وقلة فضول، وإعراض عن الأسفاف والدعابة والمزاح، مع سمت فريد، وتواضع وحياء و

تعفف، فقلت في نفسي: " هذا الشبل من ذاك الأسد" وهذه الثمرة اليانعة، من تلك الشجرة الباسقة،

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً، كَلِمَةً طَيِّبَةً، كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، ويَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون ﴾¹.

 ﴿ والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، والذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا، كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾².

وتجلى لي الأمر أعظم التجلي، وأدركت السر، عندما من الله علي بزيارة " سجلماسة" قاعدة

" تافيلالت" فتعرفت على قرائها وعلمائها، وطلبة العلم بها، ورأيت كيف يجل طلبة " تافيلالت" وعوامُّها شيوخهم، فإن أحدهم لا يخاطب الشيخ المدرس إلا بقوله : " سيدي" حتى صارت " سيدي" علما

بالغلبة على أكبر شيوخ " تافيلالت" القيم على " مدرة تاغنجاوت"³ ودهشت للحفاوة والإكرام  التي

قابلني بها أهل " سجلماسة" خاصة شيوخها، إذ أبوا إلا أن يلازموني ويرافقوني

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-     سورة إبراهيم الآية 26-27

2-     سورة الأعراف الآية 57

3-     تاغنجاوت : اسم لقصر من قصور تافيلالت، يوجد بجماعة " وادي المالح" يبعد عن مدينة " الريصاني" بحوالي 4 كلم، وعن المدار السياحي التاريخي : " القواس" بحوالي 2 كلم، وبه مدرسة عتيقة لتحفيظ القرآن الكريم، يشرف عليها : الشيخ خالدي "سيدي" حفظ على يديه القرآن آلاف الطلبة من كل أنحاء المغرب، ونفع اله به أجيالا من أهل القرآن متع الله بحياته القرآن وأهله ونفعنا ببركاته ودعواته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في تنقلاتي، وحين دعيت لإلقاء محاضرة في " دار الشباب" ب " الريصاني" كان شيخ "تاغنجاوت"

 " سيدي" ووالد الأستاذ الغيري في مقدمة الحضور،

وخلاصة القول : فقد تأكد لي أن القراء وطلبة العلم في " سجلماسة" متميزون في سمتهم، وأخلاقهم، و

سلوكهم، وأن الاستقامة، والصلاح، والجد، والصرامة، هي السمات البارزة لدى عمومهم، على تفاوت

بينهم في ذلك، ولقد قارنتهم بنظرائهم في الشمال والجنوب، فبدا أنهم اختصوا بمزايا وقيم لا يشاركهم

فيها غيرهم.

 

أهمية الاهتمام بالتاريخ

 

والعناية بالتاريخ، وتسجيل السير الذاتية، وتقييد الحوادث، وضبط الوقائع، أمور ينبغي أن تحظى

بالأولوية، وتبذل فيها الطاقات، وتستنفذ فيها الجهود، وتصرف إليها الهمم، وتستثمر فيها الأوقات،

فذلك مما يخدم الدين، والقيم والمثل، ويدعوالشباب إلى الائتساء والاقتداء بسير العظماء، والأبطال و

العلماء والصلحاء، والقادة والمفكرين، فهذا كتاب الله يشيد بالتاريخ، وينوه بالقصص، ويروي قصص

الأنبياء، والصلحاء، والحكماء، والملوك، والجبابرة، ويعرض مصارع المكذبين، ويدعوإلى

استخلاص العبر، من الحوادث والمثلات، التي حاقت بالأمم الغابرة، مثل " عاد" و"ثمود"، و" قوم

لوط"، و" أصحاب الأيكة"، وكفى علم التاريخ شرفا وحظوة، أن الله تعالى أورد فيه مادة دسمة، شغل

بها حيزا كبيرا من كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبالإضافة إلى قصص

الأنبياء والمرسلين، يعرض قصة " أصحاب الكهف" و" أصحاب الأخدود " و" الحكيم لقمان" و

الامبراطور " ذي القرنين " وملحمة "طالوت" و"داود" مع الطاغية " جالوت"، وأورد ذلك في

معرض الامتنان على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، واعتبر ذلك من جملة النعم التي أسبغها عليه،

 

 

 

 

 

 

 

 

كما قال ربنا جل شأنه:

﴿ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ﴾1، وقال جل علاه :﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾2. وقال سبحانه : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى3 .

والتربية بالتاريخ والقصة، منهج واضح في السنة النبوية، عجت به كتب الحديث، واشتملت على كثير

منها دواوين السنة، كحديث " أصحاب الغار4" وقصة " الأعمى والأقرع والأبرص5" وحديث " أم

زرع"6 ، وسوى ذلك كثير، قال العلامة الناصري في " الاستقصا" " وكتاب " بدء الخلق"  في صحيح

البخاري كفيل بهذا الشأن وآت من القدر المهم منه، بما يبرد غلة العطشان،"7

وقد احتج القرآن الكريم على أهل الكتابين: " اليهود" و" النصارى" بالتاريخ، فأقحمهم قائلا: ﴿ يا أهل

الكتاب لم تحاجون في إبراهيم، وما أنزلت التوراة والإنجيل  إلا من بعده، أفلا تعقلون8 وإذا تبين لك هذا، عرفت أن المقولة المبتذلة في : " أن علم  التاريخ أوالأنساب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر"، مقولة شنيعة، تدل على جهل صاحبها، وتكشف

ـــــــــــــــــــ

1-الأعراف آية 101

2-يوسف آية 111

3-الكهف آية 12

4-حديثهم في البخاري 3465 باب حديث الغار، ومسلم 7125 باب قصة أصحاب الغار

5-حديثهم في البخاري 3464 باب حديث أبرص وأعمى وأقرع ومسلم 7620

6-حديث أم زرع في البخاري 5189 باب حسن المعاشرة، ومسلم، 6458 باب ذكر حديث أم زرع.

7-مقدمة الاستقصا

8-آل عمران آية 65

 

 

 

 

 

 

 

عواره، وأنكر العلامة: " ابن حزم" أن تكون مروية عن الرسول، ورد ذلك بحجج قاطعة، وكيف

يروى هذا الهراء؟ وعلم تاريخ الرجال، هوعمدة المحدثين في التصحيح والتضعيف، والجرح و

التعديل، والمعاصرة واللقاء والسماع، ولولا التاريخ ما عرفنا الناسخ والمنسوخ، ولا المتقدم من

المتأخر،

وقال الناصري رحمه الله، معقبا على قول الشافعي: " دأبت على قراءة علم التاريخ كذا وكذا سنة، وما

قرأته إلا لأستعين به على علم الفقه": " إن علم التاريخ لما كان مطلعا على أحوال الأمم والأجيال، و

مفصحا عن عوائد الملوك والأقيال، مبينا من أعراف الناس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم، ما فيه عبرة

لمن اعتبر، وحكمة بالغة لمن تدبر وافتكر، كان معينا على الفقه ولا بد، وذلك أن جل الأحكام الشرعية

مبنية على العرف، وما كان مبنيا على العرف، لا بد أن يطرد باطراده، وينعكس بانعكاسه، ولهذا نرى

فتاوى الفقهاء تختلف باختلاف الأعصار والأقطار، بل والأشخاص والأحوال، وهذا السبب بعينه هو

السر في اختلاف شرائع الرسل عليهم الصلاة والسلام وتباينها، حتى جاء " موسى" بشرع، و" عيسى"

بآخر، و" محمد" بسوى ذلك، صلى الله على جميعهم وسلم.1

وأورد "السيوطي" من فوائد التاريخ : واقعة رئيس الرؤساء، وزير القائم بأمر الله العباسي "علي بن

الحسين" المعروف ب " ابن المسلمة" المشهورة مع اليهود ببغداد، وحاصلها: أنهم أظهروا رسما قديما،

أمر بإسقاط الجزية عن يهود خيبر، وفيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم : " علي بن أبي طالب"

رضي الله عنه، فرفع الرسم إلى رئيس الرؤساء، وعظمت حيرة الناس في شأنه، ثم عرض على الحافظ

أبي بكر "الخطيب البغدادي" فتأمله وقال: هذا مزور، فقيل له: بم عرفته؟ قال : فيه شهادة "معاوية" و

هوإنما أسلم عام الفتح، سنة 8 من الهجرة، و"خيبر" فتحت سنة سبع للهجرة، وفيه شهادة

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1- مقدمة الاستقصا   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

" سعد بن معاذ" وهومات يوم "بني قريظة" وذلك قبل فتح "خيبر"فسر الناس بذلك، وزالت حيرتهم.

 

 

 

 

                                          واقعة أخرى شبيهــــة:

 

ونقل العلامة : أحمد بن خالد الناصري، عن الأديب " أبي عبد الله اليفرني " المشهور بالصغير، قال:

" جرى بمجلس شيخنا قاضي الجماعة، فلان الفلاني،- يعني به العلامة، أحمد بن محمد بن ناجي،

السجلماسي- ذكر علم التاريخ، فقال: " إن علم التاريخ، يضر جهله، وتنفع معرفته، لا كما قيل: " إنه علم

لا ينفع، وجهالة لا تضر" قال: وانظر ما وقع في هذا الوقت،  في حدود عشر ومائة وألف

1110للهجرة، ـ 1698م من أن نفرا من يهود " فاس الجديد" امتنعوا من أداء الجزية، وأخرجوا ظهيرا

قديما، مضمنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، عقد لموسى بن حيي بن أخطب، أخي "صفية بنت حيي، أم

المؤمنين رضي الله عنها، ولأهل بيت "صفية" الأمان، لا يطأ أرضهم جيش، ولا عليهم نزل، ولهم ربط

العمائم، فعلى من أحب الله ورسوله أن يؤمنهم "وكتب "علي بن أبي طالب "و"شهيد عتيق ابن أبي قحافة"

و"عبد الرحمن بن عوف " و"معاوية بن أبي سفيان "وشهادتهم في ذي القعدة، سنة تسع من الهجرة، –

يبراير631م - قال شيخنا: ـ والقائل اليفرني – وشيخه : هوابن ناجي – فظهر لي ولعلماء العصر، أن

ذلك زور وافتراء، لا شك فيه ولا امتراء، لأن التاريخ بالهجرة، إنما حدث زمن عمر، سنة سبع عشرة،

 17 هـ 638 م، لأسباب اقتضت ذلك، ولأن أهل التاريخ، لم يذكروا ل"صفية" أخا اسمه موسى، والثابت المروي، أنه عليه الصلاة والسلام، قتل أبا صفية وزوجها، ولأن الظهير الذي استظهروا به، نسخة من

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأصل الذي فيه خطوط الصحابة، وقد أرخوا الاستنساخ من الأصل، بسنة ثلاث وعشرين

وسبعمائة، - 723هــ  1323 م – فقد تأخر خط الصحابة بزعمهم إلى المائة الثامنة،- المائة  الرابعة

عشرة – وكيف يتوصل في المائة الثامنة، إلى أن ذلك خط الصحابة؟ هذا خلاصة ما كتبه أهل " فاس"

في إبطال الظهير، ولما رفع ذلك إلى السلطان " المولى اسماعيل" رحمه الله، عاقب اليهود عقابا شديدا. أهــ

وحتى نعرف المكانة العلمية لمن أبطل هذا الظهير، وهوالعلامة ابن ناجي، فلنقرأ ما كتبه عنه العلامة

أبوالعباس الفاسي، في " فهرسته " قال : ومنهم شيخنا الفقيه العلامة، سيدي أحمد بن محمد بن ناجي،

السجلماسي، تولى القضاء ب " سلا" و" الرباط" ونواحيهما وبقي متوليا بهما نحوالعشرين سنة، ثم

تولى القضاء ب "فاس" ثم " مكناسة الزيتون" حضرنا عليه في تفسير " القرآن العظيم"، وفي " رسالة

ابن أبي زيد" وذلك بمحروسة "سلا" و"صحيح البخاري" و" صحيح مسلم بن الحجاج" وقرأت عليه

"شمائل الترمذي" وكان رحمه الله معظما لجميع من ينتسب للطلب، وقورا، ذا تؤدة، وهمة عالية، و

كلمة نافذة عند السلطان وغيره، توفي رحمه الله بمحروسة "مكناس" يوم الجمعة 24 من رجب، 1112

هــ 30 يونيو1711 م – ودفن داخل المدينة المذكورة، بروضة " السيدة عائشة العدوية "

ومما يحسن إيراده هنا : أبيات "ابن الخطيب لسان الدين " وزير " غرناطة"

وبعد فالتاريخ والأخبـــار       فيه لتفس العاقل اعتبــــار

وفيه للمستبصر استبصـــار      كيف أتى القوم وكيف صـاروا

يجري على الحاضر حكم الغائب       فيثبـــت الحق بسهم صائب

وينظر الدنيا بعين النبــــل      ويترك الجهل لأهل الجهـــل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهي من أرجوزته في التاريخ، المسماة: " رقم الحلل في نظم الدول " طبعت في "تونس" سنة 1316 هــ 1898 م وقد أنشد الناصري  لبعضهم :

        ليس بإنسان ولا عاقل                           من لا يعي التاريخ في صدره

       ومن روى أخبار من قد مضى                      أضاف أعمارا إلى عمره

 

 

التنوبه بعمل الأستاذ الصغيري

 

       هذا وما قام به الأستاذ محمد الصغيري، عمل جليل مشكور، وسعي محمود مبرور،ليس لأنه أدى به بعض الحق لشيخه ووالده فحسب، بل إنه افتتح صفحة في تاريخ " سجلماسة"، يرجى أن تكون حافزا له على مواصلة الجهد، حتى تحقيق الغاية، ولربما نافسه بعض أهل العلم من أبناء المنطقة، فكشفوا لنا عن كنوزها، وعرفونا بنبغائها وأعلامها، والحق أقول : لوأن علماء كل منطقة، وأدباءها ومثقفيها، عنوا بإقليمهم وناحيتهم، فعرفوا بأعيانهم وعلمائهم، ورجال الفكر والدعوة فيهم، على غرار ما فعله العلامة الأستاذ " محمد المختار السوسي" في كتبه، من أمثال " المعسول" و" سوس العالمة" و" إليغ قديما وحديثا "، وغيرها من آثاره النافعة، لكان لدينا عن كل منطقة سجل حافل، ولنشأ عن ذلك بالضرورة، موسوعة حافلة متناسقة، متصلة الحلقات، في تاريخ المغرب، والإنجاز الحضاري للمغاربة، وكانت هناك محاولات في هذا الصدد، وأبحاث فيها بعض العناء، لكنها ما زالت بحاجة إلى ترميم، من قبيل : " آسفي وما إليه"و" إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة"، وظهرت حديثا كتابات لطلبة بعض المدارس العتيقة، نسجت على هذا المنوال، فكتب الأستاذ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 " أيت  بومهاوت " السوسي، عن مدرسة " تافراوت المولود" شيوخها وخريجيها، مجليا المنهج التقليدي للمدارس العتيقة ب "سوس"، وكتب الفقيه "إد ابراهيم" التامري الحاحي : " المتعة والراحة في تراجم نبغاء حاحة" وكتب الفقيه النابغة "محمد ألوح": " إتحاف نبلاء الساحة بآثار فضلاء حاحة"،

وإني لأستحث طلبة العلم، والمثقفين من جميع أطراف المغرب وأصقاعه، وأستثير هممهم، أن ينحوهذا النحو، ويسلكوا هذا المسلك، لا ليؤدوا بعض الحق لمن مضوا وغيروا، وفنوا واندثروا، من الآباء والأجداد فحسب، بل ليعرفوا بالنبغاء من المعاصرين الأحياء، فهم عدد وفير، وجمع غزير، في كل حواضر المغرب، وريفه وبواديه، وإن في أعناقنا لتبعات جلى، ومسؤوليات عظمى، تجاه الذين ساهموا في رفع الصرح الحضاري لهذا الوطن، وشاركوا في تنشيط حركة العلم، والفكر والإبداع فيه، ثم طواهم النسيان، وعفى عليهم الدهر، فلم يسمع بهم أحد، فأي عقوق وجفاء وقطيعة من الأبناء والأحفاد، تجاه الآباء والأجداد، أسوأ من هذا العقوق؟ وأي إفساد في الأرض يضاهيه هذا الإفساد؟ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ 1.

والعلم رحم بين أهله، فهل بسلوكنا الشنيع، وإهمالنا هذا نكون قد وصلنا هذا الرحم؟ اللهم لا، وتعج كبريات مدن المغرب، مثل : " الدار البيضاء" و"فاس" و"مراكش" و" أكادير" بحشود من العلماء والأدباء والمفكرين، وهم مادة دسمة، للنشطاء من الباحثين المشتغلين، أوالراغبين في إعداد شهادة الماجستير و الدكتوراة، ولكن أين الهمم؟ فقد كان العلامة " ابن خلدون" رحمه الله، يعلل ندرة إنتاج علماء المغرب

 وضحالته، بالمقارنة بنظيره لدى علماء الشرق العربي، بانقطاع السند، وضعف المنهجية لدى المغاربة، فما الذي أخرهم عن الركب الآن، وقد توفرت لهم الجامعات الضخمة،

ـــــــــــ

1-سورة محمد الآية 23

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

والمعاهد العليا، في كل التخصصات تقريبا؟ لا شيء غير إيثار الدعة والراحة، والإهمال واللا مبالاة، حتى انعكست في أذهان إخوتنا علماء الشرق، صورة باهتة، عن النهضة العلمية في قطرنا العزيز، أعني " المغرب الأقصى"

وقد زار المغرب في صيف العام الماضي ـ 1429 هـ 2008 م ـ علماء من الخليج العربي، فسألوا من دلهم علي، فزاروني في بيتي، واستغربت لما فاجأني  أحدهم بقوله : " لم نجد في المغرب علماء متخصصين في الدراسات الشرعية"، ثم استدرك : " ولا عجب، فإن البيئة غير مؤهلة لذلك، أحرجتني عبارته الخشنة، وساءني قوله، لكني بادرته بقولي: لقد كان وفد علماء المغرب، في المؤتمر الثاني، لاتحاد علماء المسلمين، المنعقد في عاصمة الخلافة العثمانية " اسطنبول" ب " تركيا" منذ سنتين، ـ 1426 هـ 2007 م ـ في الدرجة الثانية، من حيث العدد والفعالية،  بعد الوفد المصري، أحسست من نفسي أن دفاعي هذا متهالك، مبني  على التحكم والمعاندة، ولكن لابد من حفظ ماء الوجه، كما قال الطائي" أبوتمام":

 

وما أبالي وخير القول أصدقه