بسم الله الرحمان الرحيم.

 

كنت سئلت في جامع المصلى بعين الشق بمدينة الدار البيضاء في أعقاب سلسلة دروس في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيح البخاري عن حكم إلقاء التحية على المسلم من أخيه المسلم بغير لفظ السلام ككلمة "أزول" مثلا فأجبت بما مضمنه أن استبدال تحية الإسلام بغيرها من قبل المسلم على المسلم مع اعتقاد أن هذا البديل أفضل من التحية التي شرعها الله لعباده المؤمنين دليل على مرض في القلب من نفاق أو كفر أو شبهة أو بدعة تدل على كرهه للإسلام وبغضه لمبادئه، وكان السؤال مقتضبا والجواب أشد اختصارا لأن المقام لم يكن مقام بسط وإفاضة، واتفق أن سافرت بعد يومين إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة، ولم يخطر ببالي أن تلك الإجابة المقتضبة ستثير كل هذا اللغط الذي استغرق مدة طويلة على أعمدة الصحف، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي وأسهم فيه الخاصة والعامة، والعرب والعجم، ولم يخطر ببالي ولا ببال الأخ الذي أدرج هذا الجواب على صفحتي في مواقع التواصل أنه سيثير كل هذه الزوبعة التي شغلت هذا الحيز من الوقت في وسائل الإعلام.

وكنت وأنا في غمرة انشغالي بمناسك العمرة في غفلة وبمعزل عن كل هذا، فبينا أنا أردد شعار التوحيد مع رفاقي في هذه الرحلة المباركة ونحن ممتطون الحافلة قادمين من المدينة النبوية متجهين صوب مكة المكرمة، في حماس شديد تغشانا الرهبة ويسودنا الخشوع، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ،بينما أنا هائم في أشواق الروح هذه إذ قطع عني لذة هذا الهيام رنين جرس الهاتف ليخبرني مخبر أن الجواب الفلاني أدرج في مواقع التواصل، فأثار ضجة عمت الآفاق، همست في حديث نفس: قدر الله وما شاء فعل، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ثم أغلقت الجهاز، وأقبلت على شأني، فأنا متلبس بالإحرام وما ينبغي لشأن كهذا أن يفسد علي نسكي، ومن طبعي أن ردود الأفعال لا تستفزني، لكني أخلو بنفسي في مثل هذه الحال، وأتأمل الحدث وظروفه وملابساته وما تقدمه من اعتبارات، وما أعقبه من نتائج، ثم أعالجه بحكمة ولين ومنطق، ولم تكن هذه الحادثة استثناء في تقديري، بل تصرفت وفق دأبي وعادتي ووجدت في نفسي وجدا خفيفا على الجريدة الإلكترونية التي نشرت هذا المقطع، أنها لم ترجع إلي ولم تستأذني مع أنها لجأت إلي في أخذ تصاريح عدة مرات، وإني لأتمثل في شأنها قول الراجز               

        أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ

                                    مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ

وأعود فأؤكد أن استبدال المسلم –في تحيته للمسلم- تحية الإسلام بغيرها وتحية الإسلام: السلام معتقدا أنها أفضل من تحية الإسلام، كقوله صباح الخير، ومساء الخير أو عم صباحا أو عم مساءً، أو بونجوغ أو بونسواغ، أو صباح الفل، او صباح الورد والياسمين أو مما سوى ذلك – مما يخالف تحية الإسلام- هو كما ذكرت آنفا دليل على جهل مطبق بأحكام التحية أو أمارة على مرض في القلب من نفاق أو بدعة أو شبهة أو كفر.

وما اقتصرت على كلمة " أزول" إلا لأن السائل نص عليها في كلامه، وهذه الكلمة لا تعرف عندنا في الجنوب في الأطلسين الكبير والصغير ولدى من يتحدثون بلهجة "تشلحيت" التي تتحدث بها قبائل المصامدة وأحواز مراكش وفروعها في حاحة ومثوكة واداوتنان ودمسيرة ومنثاكة وغيرها.

ولقد اتصلت بإخواننا من أمازيغ الأطلس المتوسط وجبال الريف فأكدوا جميعا أنهم لا يعرفونها، ولعل بعض الباحثين في هذا الشأن اقتبسوها من القبائل الكبرى في بلاد الجزائر.

وما بي يعلم الله تعصب ضد أحد كائنا من كان، وإن الأمازيغ في بلاد المغرب الكبير خاصة الأقصى منه مادة الإسلام وعنصره، وهل حفظ العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية إلا مدارسهم العتيقة التي ينفقون عليها ثلث أعشارهم، وفقهاء هذه المدارس وطلبتها بضاعتهم التي يعتزون بها الأدب العربي ونظم الشعر، وانظر في هذا المعسول لفقيد المغرب العلامة محمد المختار السوسي رحمه الله، "وسوس العالمة" له، "وتفراوت المولود" للأستاذ بومهاوت، "والمتعة والراحة" للفقيه إدبراهيم، " وإتحاف فضلاء الساحة بآثار نبغاء حاحة" للفقيه محمد ألواح، وغير ذلك، ولا أبالغ إن قلت إن أكثر من ستين بالمائة من الخطباء والوعاظ والأئمة وغيرهم من القيمين الدينيين والمحفظين للقرآن الكريم والمدرسين للعلوم الشرعية واللغوية من خريجي هذه المدارس وعبيد الله كاتب هذه السطور ثمرة من ثمرات هذه المدارس فلا زلت أحتفظ بالود والتقدير لشيوخي وأساتذتي من سوسيين وحاحيين ومسفويين من أمثال العلماء أحمد الزيتوني وأحمد العدوي والطيب الباعمراني والبشير المنبهي وعبد الرحمان الرسموكي ومحمد العثماني والحسن وجاج ومحمد السرغيني وأحمد بن عبد الرحمان السليماني وسيدي عمر بن الطيب السليماني وعبد السلام جبران المسفيوي وأخوه سيدي حسن جبران والشيخ أحمد أملاح، والشيخ الحسين راغب والشيخ المختار السباعي والأستاذ عبد السلام بلغاوطي، وغيرهم وغني لأدعو لأحيائهم بالخير وأترحم على موتاهم.

ويعلم الله أن ولائي ليس إلا لله ولرسوله ولصالح المؤمنين، ثم للعقد الفريد من ملوك الدولة العلوية الذين عاصرتهم ووفيت ببيعتهم، لأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وسأظل على وفائي لهم ما دام في الصدر قلب ينبض، ونفس يتردد.

وأحيي بتحية الإسلام وهي تحية من عند الله مباركة طيبة، " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" كل المغاربة عربهم وعجمهم، شيوخهم وشبابهم، رجالهم ونساءهم، وأخصهم بالثناء والإطراء ومنهم الأمازيغ بمختلف لهجاتهم ومناطقهم الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين والذين اتبعوا النبي الأمي وعزروه ونصروه واعتزوا بالنور الذي أنزل معه وساروا على نهجه، واستمسكوا بسنته واقتفوا أثره ووالوا أصحابه وآله وعترته ولم يبدلوا أو يغيروا حتى يلقوه على الحوض ويدخلوا مدخله.

 

 

التحية:مصدر حياه يحييه تحية ومعناها في اللغة الدعاء بطول الحياة والبقاء فيقال: حياك الله أي أبقاك، ثم توسع في إطلاق التحية على كل ما هو في معناها من الدعاء الذي يقال عند اللقاء ونحوه، والتحية أعم من السلام فالسلام نوع من أنواع التحية.

تحية الإسلام: قد شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لنا تحية تميزنا عن غيرنا ورتب على فعلها الثواب وجعلها من حقوق المسلم على أخيه فتحولت هذه التحية من عادة من العادات المجردة إلى عمل يفعله العبد تقربا إلى الله تعالى واستجابة لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تستبدل هذه التحية العظيمة بعبارات أخرى لا تؤدي ما تؤديه تحية الإسلام المباركة: مثل صباح الخير أو مساء الخير أو مرحبا أو غير ذلك، مما قد يستعمله بعض الناس جهلا أو إعراضا، وتحية الإسلام: السلام عليكم، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وردها: وعليكم السلام، وعليكم السلام ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا معنى قول الله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.

 

  

1-  أنه من خير امور الإسلام، فعن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أي الإسلام خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: تطعم الطعام وتقرا السلام على من عرفت ومن لم تعرف" رواه البخاري.

2- أنه من أسباب نشر المودة والمحبة بين المسلمين التي هي من أسباب دخول الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم".

قال حبر من أحبار اليهود وهو عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت ممن خرج لاستقباله فلما تأملت وجهه، علمت أنه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته من كلامه:

" أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".

3- وأن كل جملة من مجموع التحية بعشر حسنات وهي ثلاث جمل، فلمن جاء بها كاملة ثلاثون حسنة، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "السلام عليكم فرد عليه وجلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر، ثم جاء رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه وجلس، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثلاثون".

 

حكم السلام ورده: السلام سنة مؤكدة ورده واجب عينا إذا قصد به شخص واحد وعلى الكفاية إن قصد به جماعة، فإن رد جميعهم فهو أفضل، فمن سلم فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فجوابه وعليكم السلام ورحمة الله، وإن زاد وبركاته فهو أفضل، لكن لا يجوز الاقتصار في جوابه على: وعليكم السلام فقط لأنها دون السلام عليكم ورحمة الله، قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:

أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل ما سلم أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة.

 ومما يعتبر جوابا غير سائغ شرعا أن يرد بقوله: أهلا ومرحبا مكتفيا بها  وذلك لأنها ليست بجواب سائغ شرعا ولأنها أنقص من السلام بكثير فإن قوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وما تحمله من معان عظيمة أفضل من قول القائل: أهلا ومرحبا ولكن لا بأس بقولها وغيرها  بعد رد السلام، فقد ثبت قول النبي صلى الله عليه وسلم: مرحبا بأم هانئ ومما يدل على هذا أن عمير بن وهب لما بعثه صفوان بن أمية ليغتال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وفطن له الصحابة فأوثقوه وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنعموا صباحا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبدلنا الله بتحية الجاهلية خيرا منها: السلام.

وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مخبرا له عن سوء أدب اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يقولون إذا حيوه: السام عليك يا محمد وكان يجيبهم صلى الله عليه وسلم وعليكم. قال تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها وبيس المصير}، وفي قوله تعالى: {حيوك بما لم يحيك به الله}دليل على عدم جواز استبدال تحية الإسلام بغيرها.

وفي البخاري ما يدل على أن السلام شعبة من شعب الإيمان، إذ روى عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار".

ومما ورد في ذم من ترك التسليم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أبخل الناس من بخل بالسلام".

- يشرع تبيلغ السلام وتحمله، وعلى المبلغ أن يرد السلام، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " إن جبريل يقرأ عليك السلام" فقالت: " وعليه السلام ورحمة الله".

- السنة في السلام أن يسلم الصغير على الكبير والماشي على الجالس والراكب على الماشي والقليل على الكثير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير.

ومن السنة إعادة السلام إذا افترق الشخصان ثم تقابلا بدخول أو خروج أو حال بينهما حائل ثم تقابلا بعد ذلك، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " وإذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حُجرة ثم لقيه فليسلم عليه أيضا".

وفي حديث المسيء صلاته أنه كلما ذهب ورجع سلم ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فتفرقوا يمينا وشمالا ثم التقوا من ورائها سلم بعضهم على بعض".

ويجوز السلام على النساء المحارم أما غيرهن من الأجنبيات فيجوز السلام عليهن إذا أمنت الفتنة بهن وعليهن وهذا يختلف باختلاف النساء والأحوال والأماكن فليست الشابة كالعجوز، ولا من دخل بيته فوجد فيه نسوة فسلم عليهن كمن مر بنساء لا يعرفهن في الطريق.

وأما المصافحة للنساء الأجنبيات، فلا تجوز مطلقا ومن أدلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا لا أصافح النساء" وقالت عائشة رضي الله عنها في معرض حديثها عن بيعة النساء أنه صلى الله عليه وسلم كان يبايع الرجالعلى الإسلام ويصافحهم، ويبايع النساء مشافهة فلا والله ما مست يده يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا كلاما وكان يقول: " أمسكي يدك فقد بايعتك" وقال صلى الله عليه وسلم: " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

ويستحب لمن كان في مجلس ثم أراد أن يغادره أن يسلم عند المغادرة كما يسلم عند الورود لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا انتهى أحدكم من المجلس فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة" أخرجه الترمذي وأبو داوود.

وذكر الإمام البغوي رحمه الله بسنده عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إن مما يمحض لك ود أخيك ثلاثا، أن تبدأه بالسلام إذا لقيته وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسع له في المجاس".

السلام على الصبيان: ويستحب السلام على الصبيان باتفاق العلماء لحديث أنس رضي الله عنه أن رسول  الله صلى الله عليه وسلم "مر على صبيان فسلم عليهم"أخرجه الإمام مسلم. واختلف أهل العلم في رد الصبي على الجماعة: هل يسقط فرض رد السلام عن الرجال البالغين؟ والصحيح هو سقوط فرض رد السلام كما نقل عن النووي أنه قال: المسألة فيها وجهان وأصحهما أنه يسقط كما هو الحال في صلاة الجنازة، ومن الأخطاء المنتشرة بين الناس أنهم لا يلقون السلام، ولكن يقولون: صباح الخير، ومساء الخير، أنعم صباحا، أنعم الله بك، وهذا خطأ لحديث عمران بن حصين قال: "كنا في الجاهلية نقول أنعم الله بك  وأنعم صباحا فلما جاء الإسلام نُهينا عن ذلك" أخرجه أبو داود.فإن بدأ الإنسان بالسلام فلا حرج أن يتبعها بصباح الخير أو مساء الخير أو غيرها .

وخلاصة الأمر أن السلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين فأصبحت جزءا من كيانهم وشعيرة من شعائر الله التي تزكو بها أرواحهم، لقد صاح الإسلام منذ بزغ فجره وأشع نوره صيحته المدوية في آفاق الدنيا يدعو الناس إلى توحيد الله، ويرسم المعالم البارزة التي تجعل الناس متشبعين به، إن الإسلام يكرم الحياة، ويقيم دعائمها ويحبب الناس فيها، ويحرر الناس من عقدة الخوف ويرسم الطريقة المثلى لتمضي الإنسانية متجهة إلى غاياتها المأمولة في الرقي والازدهار في ظلال الأمن على النفس والروح والعقل والعرض وضمان العيش الكريم بتوفر الغذاء والري {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف}.

ولفظ الإسلام الذي هو عنوان هذا الدين مأخوذ من مادة السلام لأن السلام والإسلام يلتقيان في صناعة السكينة والطمأنينة والاستقرار ورب هذا الدين سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى السلام لأنه يؤمن الناس بما شرع من مبادئ ورسم من خطط ومناهج، وحامل هذه الرسالة هو حامل رسالة السلام لأنه يحمل إلى البشرية الهدى والنور والفلاح والرشاد لأنه يعرب عن نفسه قائلا: "إنما أنا رحمة مهداة" ويبرز القرآن الكريم أهم أهداف الرسالة فيقول: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وتحية المسلمين التي يؤلف الله بها بين القلوب، ويقوي وشائج القربى، ويدعم بها أواصر المودة بين الناس هي السلام: وأولى الناس بالله وأقربهم إليه من بدأ الناس بالسلام، وبذل السلام للعالم وإفشاؤه عنصر من عناصر الإيمان، وشعبة عظيمة من شعبه، وقد اختار الله هذا اللفظ ليكون قالبا لتحية المسلمين لإشعار الجميع أن دينهم دين السلام والأمن، وأنهم أمة السلم وصانعوا السلام، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا"، وما ينبغي لإنسان أن يخاطب إنسانا دون أن يبدأه بالسلام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "السلام قبل الكلام" رواه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ما جاء في السلام قبل الكلام وحسنه الألباني في صحيح الترمذي وفي الصحيحة، وسبب ذلك أن السلام أمان ولا كلام إلا بعد الأمان.

والمسلم مكلف وهو يناجي ربه، ويؤدي شعائره وينهض بفروضه أن يسلم على نبيه وعلى نفسه وعلى الصالحين من عباده: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإذا فرغ من أداء شعائره وباشر الابتغاء من فضل الله، أقبل على الدنيا من شرفة السلام والرحمة والبركة، وحتى في أثناء الصدام مع غير المسلمين، وفي أتون المعركة، إذا همس المحارب بكلمة السلام، وجب الكف عنه وحقن دمه فورا:{ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مومنا}.

والله تعالى يحيي عباده بالسلام: {تحيتهم يوم يلقونه سلام}، وتحية الملائكة في الآخرة للصالحين الأبرار سلام:{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}، ومستقر الصالحين في دار الكرامة بيت الأمن والسلام {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} {لهم دار السلام عند ربهم}وليس في الجنة لغو ولا رفث ولا لغط {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما}، {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}.

            وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.